الحرب العالمية الأولى

 


المحور الأوّل: العالم المعاصر من 1914 إلى 1945                                                             

        الدرس الأوّل: الحرب العالميّة الأولى

مقدمة الدرس

اشتدّ التنافس بين الدول الأوروبية الكبرى و تعارضت مصالحها في القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين ، فانخرطت في أحلاف  متضاربة و تسابقت نحو التسلّح . فنجم عن ذلك توتّر في العلاقات الدولية أدى إلى إندلاع الحرب العالمية الأولى في صائفة 1914 و تواصلت إلى خريف 1918 ، و أسفرت عن تغيّر ميزان القوى في العالم لصالح الو.م.أ 

فما هي أسبابها و أطوارها  و أهمّ نتائجها ؟

Iأسباب الحرب العالمية الأولى و أهمّ أطوارها :

الأسباب الخرب العالمية الأولى :

أ ) الأسباب البعيدة ( الغير مباشرة :

 * احتداد التنافس بين القوى الأوروبية الكبرى:

أدّى نجاح الثورة الصناعية في أوروبا الغربية في الـ2/1 الثاني من القرن 19م إلى إزدهار اقتصادي بين 1851 و 1873 من مظاهره :

ü      نمو الإنتاج الصّناعي

ü      نمو الأرباح و تراكم رؤوس الأموال

Û    لكن أمام ضيق الأسواق الداخلية الأوروبية ظهرت بوادر " الكساد الكبير " بين 1873 و 1895 و من ملامحه :

ü      تراكم فوائض الانتاج و صعوبة ترويجه

ü      تراجع مردودية استثمار رؤوس الأموال بالقارة الأوروبية .

E     الحلّ : البحث عن أسواق خارجية لتصدير فوائض الانتاج الصناعي و رؤوس الأموال و تأمين المواد الأوّلية .

ï      سعت كلّ دولة إلى الاستحواذ على أكبر مجال من المستعمرات خاصّة فرنسا و أنقلترا ( القوى التقليدية ) في وقت ظهرت فيه قوى استعمارية جديدة تطالب بنصيبها في المستعمرات و خاصة ألمانيا و ايطاليا ( القوى الحديثة )

E     تمحور هذا التنافس :

ü      فرنسا و أنقلترا في آسيا و إفريقيا ( مثل أزمة فاشودا بالسودان سنة 1898 )

ü      ألمانيا من جهة و فرنسا و أنقلترا من جهة أخرى

E     تأكّد التنافس الاستعماري بين ألمانيا و أنقلترا مع وصول الامبراطور غليوم الثاني إلى الحكم ( 15 جوان 1888 – 9 نوفمبر 1918 ) و تبنيه سياسة اقتصادية تضمن بالقوة مصالح ألمانيا عرفت " السياسة العالمية " فبعد استكمال وحدتها الترابية و ثورتها الصناعية عملت ألمانيا على انشاء أسطول حربي قوّي و اتجه التغلغل الاقتصادي في جنوب الصين و في المجال العثماني ( امتياز بناء خطّ حديدي بين اسطنبول و بغداد ) ممّا أثار مخاوف انقلترا بسبب تهديد مصالحها في الشرق و حرية الملاحة بمضيقي البسفور و الدردنيل .

E     تمحور التنافس الاستعماري بين ألمانيا و فرنسا حول المغرب الأقصى و كان أشدّ خطورة على العلاقات الدولية ( أزمتي طنجة سنة 1905 و أغادير سنة 1911 ) فقد هدّدت ألمانيا باستعمال القوة للدفاع عن " استقلال " المغرب ، فاضطرّت فرنسا لتسليم ألمانيا جزء من مستعمراتها في الكنغو مقابل حرّية تصرّف فرنسا في المغرب الأقصى الذي أصبح محمية فرنسيّة- اسبانية منذ 1912 .

توتّر العلاقات الدولية و تأكّد العداوة بين الأطراف الأوروبية التي انخرطت في أحلاف متضاربة و تسابقت نحو التّسلّح

v      سياسة الأحلاف و السباق نحو التسلح

v      سياسة الأحلاف : انقسمت أوروبا إلى حلفين متعارضين

الحلف الثلاثي : يتشكل من ألمانيا و الامبراطورية النمساوية-المجرية ( في أكتوبر 1879 ) و ايطاليا منذ مارس 1882 التي انسحبت في 1915 مقابل تعهدات من دول الوفاق بالاستجابة لمطالبها الترابية

تدعّم الخلف الثلاثي خاصّة بانضمام الامبراطورية العثمانية ( 1914 ) و بلغاريا ( 1915 )

ü      هدفه :  أولا:عزل فرنسا و منعها من استرجاع منطقتي الألزاس و الّورين الغنية بالمواد المنجمية ( من ألمانيا )

                ثانيا: التصدّي للأطماع الروسيّة

لكن ايطاليا التي انضمت الى الخلف للتعبير عن غضبها من بسط الحماية الفرنسية على تونس لم تكن حليفا ثابتا بسبب مطالبه الترابية في مجال خاضع للسيادة ( ترياست ، ترنتان ، دلماسيا ) ثمّ أمضت اتفاقا سريّا مع فرنسا للبقاء على الحياد ( 1902 ) ثمّ انسحبت في 1915 مقابل تعهدات بالاستجابة لمطالبه الترابية .

الوفاق الثلاثي: يتشكّل من فرنسا و انقلترا ( أفريل 1904 ) و روسيا ( 1907 ) و تدعّم خاصة بانضمام اليابان ( 1914 ) ايطاليا ( 1915 ) و رومانيا و البرتغال ( 1916 ) و الو.م.أ ( في 1917 ) لكن روسيا انسحبت من الحرب اثر اندلاع الثورة البلشفية ( في 1917 )

ü      هدفه : أولا : تطويق ألمانيا

                 ثانيا : إخراج فرنسا من عزلتها.

انقسمت أوروبا إلى حلفين متعارضين ممّا أدى إلى تأجيج  السباق نحو التسلّح

v      السباق نحو التسلّح :

E     تكثيف الخدمة العسكرية الاجبارية و التجنيد

E     دعم ميزانيات الدّفاع و تطوير النّفقات العسكرية

ï      ارتفاع عدد القوات العسكرية إلى 1.8 مليون رجل في روسيا و 820 ألف رجل في ألمانيا و 750 ألف رجل في فرنسا

السباق في اكتساب قوّات عسكرية برية و بحرية ( بين ألمانيا و انقلترا خاصّة )

ب ) الأسباب القريبة ( المباشرة )

v      تأجّج الشعور القومي في منطقة البلقان .

E     مثلت أوروبا الوسطى و منطقة البلقان أحد مواطن التّوتر بسبب تعدّد القوميات التي تسطوطنها و صراع الدول الكبرى حوله :

ü      طموح القوميات ( الجرمانية ، السلافية ، المجرية ...)  إلى تأسيس كيانات قومية مستقلة

ü      الصراع بين روسيا القيصرية و الامبراطورية النمساوية-المجرية حول تركة "الرجل المريض" ( الإمبراطورية العثمانية ):

-          رغبة روسيا في الوصول إلى البحر المتوسط عبر مضيقي البسفور و الدردنيل متزعمة حركة توحيد السلافيين حول حليفه صربيا .

-          سعي الإمبراطورية النمساوية- المجرية للوصول إلى البخر الأدريتيكي فضمّت إليها منطقة البوسنة و الهرسك ( في 1908 ) ممّا أثار صربيا و حليفتها روسيا .

·         اندلاع حربين بلقانيتين :

-          الحرب الأولى في 1912 انتهت بانتزاع منطقة مقدونيا من الامبراطورية العثمانية لصالح الدول البلقانية المتحالفة مع روسيا ( بلغاريا ، صربيا ، الجبل الأسود ، اليونان ) بمقتضى معاهدة لندن ( ماي 1913 )

الحرب الثانية في 1913 اتهت بهزيمة بلغاريا و تأسيس إمارة ألبانيا من قبل الإمبراطورية النمساوية-المجرية لصدّ التمدّد الصربي نحو الأدرياتيكي .

v      حادثة سراييفو ( 28 جوان 1914 )

E     اغتيال وليّ العهد النمساوي فرنسوا فرديناند بسراييفو ( عصمة البوسنة و الهرسك ) من طرف طالب بوسني ينتمي إلى جمعية سريّة تعمل على بعث " يوغسلافيا " ككيان مستقل يوحد كلّ السلافيين بالجنوب .

E     وجّهت النمسا الاتهام إلى صربيا و أمهلتها شهرا لإماطة اللثام عن الجريمة بمشاركة قضاة نمساويين ثمّ أعلنت الحرب عليها يوم 28 جويلية 1914 بعد أن ضمنت دعم ألمانيا

ï      تتالت الانذارات ثمّ إعلانات الحرب من الدّول الأوروبية بحكم التّحالفات القائمة .

2 ) أهمّ أطوار الحرب العالمية الأولى :

استمرت الحرب 4 سنوات ( 1914 – 1918 ) و تحوّلت إلى نزاع عالمي عبر تعبئة مستعمرات القوى الأوروبية المتحاربة و التحاق أقطار من خارج أوروبا إلى الصراع الذي تميّز بثلاثة أطوار كبرى :

v      الأطراف المتنازعة

ü      اقتصرت المشاركة في الحرب عند اندلاعها على أعضاء الحلفين باستثناء ايطاليا التي بقيت على الحياد . و مع امتداد الصراع اتّسع نطاق الدول المشاركة و تحوّلت الحرب الأوروبية إلى حرب عالمية بفضل تعبئة المستعمرات ( الفرنسية و الانقليزية خاصّة ) و انضمام أقطار من خارج أوروبا إلى النزاع ( و خاصّة الو.م أ بسبب حرب الغوصات التي شنّتها البحرية الألمانية في المحيط الأطلسي ممّا شكّل تحديدا لحرية الملاحة عبره )

v      الأطوار الكبرى للحرب :

·         الطور الأوّل – أوت 1914 – نوفمبر 1914 )

ü      في الجبهة الغربية : ايقاف فرنسا للزحف الألماني ( معركة المارن – شمال شرق فرنسا – في 5 - 12  1914 )

ü      في الجبهة الشرقية : صدّ ألمانيا للزحف الروسي ( معركة تاننبرغ – ستيبارك ببلونيا اليوم – في 26 – 30 أوت 1914 ) و اجباره على التراجع ( في 1917 )

·         الطور الثاني ( نوفمبر 1914 – 1917 )

ü      حرب المواقع ( الخنادق ) و استقرار الجبهات في مواقعها طيلة 3 سنوات فاستحال تحقيق نصر حاسم

ü      حرب الغواصات في المحيط الأطلسي ( 1917 ) ممّا دفع الو.م .أ إلى دخول الحرب إلى جانب دول الوفاق ( الحلفاء ) مقابل انسحاب روسيا بعد ثورة أكتوبر 1917 و ابرامها صلح براست-ليتوفسك ( مدينة شرق بولونيا آنذاك ، تقع غرب روسيا البيضاء اليوم – بلروسيا - ) مع ألمانيا في 3 مارس 1918 .

·         الطور الثالث ( 1918 )

ü      انقلاب موازين القوى لصالح الوفاق بعد دخول الو.م .أ و وصول قوّاتها إلى أوروبا في جويلية 1918

ü      استسلام دول الحلف الثلاثي تباعا : بلغاريا ( 29 سبتمبر 1918 ) تركيا ( 30 أكتوبر 1918 ) النمسا ( 3 نوفمبر 1918 ) قبل أن تطالب ألمانيا الهدنة في 11 نوفمبر 1918 خوفا من تعرّضه للغزو

انتهت المعارك لتفسح المجال للخلافات بين المنتصرين حول شروط تسوية النّزاع.

II ) نتائج الحرب العالمية الأولى :

خلفت الحرب كارثة إنسانية و دمارا اقتصاديا و زلزالا سياسيا أسفر عن انهيار 4 امبرطوريات ( الروسية ، الألمانية ، العثمانية و النمساوية- المجرية ) و نشأة دول جديدة غيرت الخريطة الجغراسياسية لأوروبا و الشرق الأوسط و غذّت خلافات حادة زرعت بذور نزاع جديد ( الخرب العالمية الثانية )

2 ) الحصيلة البشرية و الاقتصادية و تغيّر موازين القوى

أ ) الحصيلة البشرية و الاقتصادية :

v      كارثة إنسانية :

E     9 ملايين قتيل منها 8 ملايين من القوى النّشيطة و 17 مليون جريح منهم 6 ملايين عاجز ( معاق )

E     تفاوت الخسائر البشرية بين البلدان المتحاربة من حيث نسبة القتلى و من المجندين : فرنسا 6/1 مجنديها ، 8/1 في ألمانيا و أنقلترا و روسيا ، 9/1 في ايطاليا و الامبراطورية العثمانية مقابل 34/1 في الو.م.أ .

E     أمّا من حيث عدد القتلى : ألمانيا و روسيا أكثر المتضرّرين ( 2.03 مليون و 1.75 مليون على التوالي ) بينما لم تفقد الو.م.أ سوى 100 ألف قتيل فقط

اختلالات عميقة في البنية الدّيمغرافية لسكّان الدّول المتضرّرة من الحرب : تراجع نسبة الولادات و تقلص نسبة السكّان النّشطين من