البرازيل:التباينات الاجتماعيّة والمجاليّة

المستوى : رابعة ثانوي                     المحور الثالث: الجنوب      المسألة الأولى: البرازيل بلد صناعي جديد            

الدرس الثاني:البرازيل:التباينات الاجتماعيّة والمجاليّة

المقدمة  :اقترنت القفزة الاقتصاديّة البرازيليّة بتباينات اجتماعيّة وإقليميّة عميقة تحوّلت إلى سمة مميّزة للبرازيل وجعلت منه أحد أكثر بلدان العالم لا مساواة ومثالا دالاّ على سوء التنمية التي أفضت إليها التجارب التنمويّة في عديد الأقطار النامية.

. فماهي مظاهر هذه التباينات؟ وماهي أسبابها؟

І –  ) تباينات اجتماعيّة حادّة:

حقّق البرازيل تقدّما اجتماعيّا ملموسا يتجلّى من خلال تحسّن مختلف المؤشّرات الديمغرافيّة غير أنّ هذا التحسّن لم يشمل كافّة فئات المجتمع ولم يخفّف من حدّة تركّز الدخل والملكيّة والنفوذ.

1 )تفاوت شديد في توزيع الثروة:لم يتقاسم البرازيليّون ثمار النموّ الاقتصادي بطريقة عادلة ومتوازنة :

أ ) تركز الدخل لدى أقليّة من البرازيليين:لئن نما الن.د.خ للبلاد بنسق سريع وتضاعف 3 مرات منذ الـ60ـنات  فانّ البرازيليين لم يقتسموا ثمار النمو الاقتصادي بطريقة عادلة إذ:

يحتكر 10/1 السكّان الأكثر ثراء حوالي 2/1 الثروة ( 41.8 %) وتناهز حصّتهم قرابة 48 مرة ضعف حصّة 10/1 السكان الأكثر فقرا. الذين يحصلون  على 1 %من الثروة  => تفشّي ظاهرة الفقر

يعتبر البرازيل من أكثر بلدان العالم من حيث درجة اللامساواة في توزيع الدّخل بحوالي 55 من 100 من مؤشّر  جيني لقيس اللامساواة سنة 2010.مما يؤكد محدودية الطبقة الوسطى

=> يعود هذا التفاوت في توزيع الدخل إلى نموذج التنمية المنتهج بعد 1964 ( التصنيع الحاث على التصدير) وما واكبه من تقديم امتيازات ومساعدات لأرباب العمل وكبار مالكي الأرض وراهن على ضعف أجور العمال للضغط على تكلفة الإنتاج وجلب المستثمرين علاوة على خفض قيمة العملة الوطنية ومراقبة النشاط النقابي.

ب ) انتشار ظاهرة الفقر في المجتمع البرازيلي:

- لا يترتب الفقر في البرازيل عن المستوى المنخفض لمتوسط الدخل وإنما ينجم أساسا عن حدّة اللامساواة في توزيع الثروة.

- رغم تنامي قدرة البلاد على تأمين الحاجيات الأساسية لسكانه و تحسن الأوضاع الاجتماعية عموما و تراجع الفقر فلا زال 10/1 البرازيليين يعانون الفقر ( إذ يعيش 9.06 %من السكّان بأقلّ من 3.10 دولار /اليوم مقابل الـ3/1 سنة 1990 ) و يشكو حوالي 5 %من البرازيليين من الفقر المدّقع ( إذ يعيش 4.87 %من السكّان بأقلّ من 1.90 دولار /اليوم مقابل الـ5/1 سنة 1990 ) وهو دخل لا يضمن حتى الغذاء الكافي.

- يزداد الأمر سوءا بتفشي ظاهرة البطالة نتيجة الخوصصة وسياسة التقشف المنتهجة منذ بداية الـ70ـنات.

=>   تسبب ذلك في اضطرابات عديدة تتخذ أحيانا شكل ما يسمى "انتفاضات الجوع", وهو ما دفع البرازيل إلى الاستعانة بمنظمة الأغذية والزراعة لإنجاح " مخطط مكافحة الجوع حتى درجة الصفر" الذي أقرته الحكومة البرازيلية منذ 2003.

ج ) تنامي الفوارق العرقية:  رغم التمازج العرقي والثقافي بالبرازيل تبقى اللامساواة تصطبغ بلون البشرة حيث يحتكر البيض الامتيازات والنصيب الأكبر من ثمار القفزة الاقتصاديّة، وتبقى ظروف العيش لدى البيض أفضل بكثير ممّا عليه لدى الملوّنين وخصوصا (السود والخلساء ) الذي يمثّلون أكثر من 3/2 الفقراء.و تبلغ نسبة الأميّة في صفوفهم ضعفها لدى البيض ( 11 %مقابل 5 %سنة 2014 ) و لا تزيد نسبة التحاق أبناء الملونيين بالتعليم العالي على 3/1 مقابل الـ2/1 لأبناء البيض ممّا يفسّر انتشار البطالة في صفوف الملونين ( 7.9 %مقابل 5.9 %لدى البيض سنة 2014 )

- يمثل الهنود ( السكان الأصليون)0.2% من السكان ويتعرضون أحيانا إلى عمليات الإبادة ( ينظمها بعض الرواد والمغامرون في أمازونيا بالخصوص).

      =>  تغذية مشاكل العنف بين مختلف الأعراق ممّا يهدّد تماسك الأمّة البرازيليّة.

2 )تفاوت كبير في توزيع الأرض:

أ  ) هيمنة كبار المالكين على الأراضي الزراعية:

- يتسم الوضع العقاري في الأرياف البرازيلية بشدة التباين بين ملكية شاسعة غنية تتدعم باستمرار باتجاه مناطق الريادة وملكية صغرى مهددة بالانهيار.

- تمتد الضيعات الكبرى ( اللاتيفانديا) التي تفوق مساحتها 100هك على حوالي 80% من الأراضي الزراعية رغم أنها لا تمثل سوى 10.7% من العدد الجملي للمستغلات.

- تمتد الضيعات الصغرى ( المينيفانديا و الميكروفونديا ) التي تقل مساحتها عن 10هك على 2.2% فقط من الأراضي الزراعية رغم أنها تمثل حوالي  2/1  ( 49.6 % ) العدد الجملي للمستغلات.

- احتكار الملكيات الـ20 الأكبر لمساحة تعادل ما يملكه 3.3 مليون فلاّح من صغار الفلاحين .

=> تركيز كبير للملكية العقارية لدى فئة قليلة محظوظة ممّا يفسّر شدّة النزاعات حول الأراضي الزراعية

ب * احتداد النزاعات على الأرض:

- ولّد التفاوت الكبير في توزيع الأرض توترا اجتماعيا خطيرا ونزاعات متتالية منذ منتصف القرن الـ20 بين كبار الملاكين ( الفازنديروس ) من جهة وصغار الفلاحين و"المزارعين بلا أرض" ( تعريف ص323) من جهة أخرى الذين طالبوا بإعادة توزيع الملكية وأسسوا "رابطة المزارعين بلا أرض" ( جانفي 1984 ) وتحصلوا على وعود من الدولة بتسليمهم الأراضي المهملة وتحسين أجورهم وتمكينهم من بعض الحقوق النقابية. لكن هذه الوعود لم تطبق بسبب انتقال السلطة إلى الجيش سنة  1964 حيث اكتفى العسكريون بتشجيع المزارعين على غزو أراضي جديدة في جبهات الريادة دون القيام بإصلاح زراعي يحد من النفوذ اللاتيفندي.

ج * امتداد الصراع على الأرض إلى مناطق الريادة:

عوّل البرازيل على أراضي الوسط الغربي وأمازونيا لحل المسألة العقارية غير أن انتقال المزارعين إلى هذه المناطق الجديدة في إطار عملية الإعمار والإحياء التي تدعمه الدولة وسعيهم إلى حيازة الأرض أدت إلى صدامات دموية فيما بينهم ومع كبار المالكين وأصحاب الشركات الكبرى الذين لا يترددون في تجنيد قوات خاصة للتصدي لعمليات الاجتياح التي تهددهم أو  لتوسع أراضيهم.

=> يبقى صغار الفلاحين والفقراء الريفيون في انتظار إصلاح جذري للهياكل العقارية وإجراءات حقيقية تحد من "اللوبي اللاتيفندي"

فوارق اجتماعيّة قوية داخل المدن:

 تعكس المدن البرازيلية بوضوح التباينات الاجتماعية إذ يتجاور فيها الفقر المدقع مع الثراء الفاحش لاسيما في المدن الكبرى مثل ساوباولو و ريو دي جينيرو.

أ * تركز الفقر والبؤس في أحياء السكن العفوي "الفافيلا":

- تمتد "الفافيلا" (أحياء السكن العفوي) خاصة  في وسط المدن الكبرى و في قلب أحيائها المركزية أحيانا ( ري ودي جاينيرو و ساوباولو ) وعلى أطراف المدن الكبرى وتتسع على حساب سفوح التلال المجاورة غير المهيأة و قرب المستنقعات بسبب تفاقم حركة النزوح وقارب بعضها حجم المدن.

- تتكون من بيوت قصديرية تفتقر إلى أبسط المرافق الضرورية وتأوي ملايين الفقراء و النازحين الجدد.

- يتركز اقتصاد "الفافيلا" على الأنشطة الخدمية الهامشية لذلك ترتفع فيها نسبة البطالة و يتفشّى فيها الإجرام ( عصابات المخدّرات و أطفال الشوارع )

=>  ظلّت أحياء الفافيلا مهمّشة إلى أواسط الثمانينات لمّا تقرّر إدماجها في المدن المرتبطة بها . غير أنّها تظلّ سمة مميزة للبرازيل

ب* تركز الثروة في أحياء راقية:

- تتركّز الثروة و تتفشّى مظاهر الثراء الفاحش في أحياء راقية تتجاور مع الفافيلا في المدن الكبرى ( ساوباولو وريودي جينيرو)و تتميّز بكثافة العمارات وناطحات السحاب التي تأوي المقرات الاجتماعية للمؤسسات الكبرى والخدمات الرفيعة , وتحيط بها أحياء سكنية راقية تضم الفئات الميسورة في مساكن فردية واسعة مجهّزة  بكلّ مستلزمات الرفاهة.

=>فوارق اجتماعية حادّة بالمدن وخاصة الحواضر الكبرى تسببت في تفاقم الآفات الاجتماعيّة والعنف الحضري والإجرام وتجارة المخدرات وانتشار ظاهرة "أطفال الشوارع".

لئن حقّق البرازيل قفزته الاقتصادية في ظلّ نظام اجتماعي جائر و لم ينجح في الحدّ من تناقضاته فإنّه ورث أيضا مجالا غير متكافئ لم تستفد كلّ أجزائه من ثمار النجاح الاقتصادي.

II  تباينات اقليميّة شديدة:

خلّف الارث الاستعماري و النمط التنموي الذي اعتمده البرازيل تباينات مجالية صارخة حيث أوجد << برازيل عديدة >> : مجال مركزيّ ( في الجنوب و الجنوب الشرقي ) ، مجال طرفيّ ( في الشمال الشرقي ) و مجال رياديّ ( في الشمال و الوسط الغربي )

برازيل مركزي في الجنوب الشرقي والجنوب:

يمثل الجنوب الشرقي والجنوب "برازيلا غنيا ومتقدما" استفاد من تضافر عدة عوامل ليفرض سيطرته على بقية الأقاليم.

أ * أكثر الأقاليم تقدما:

- يعتبر الجنوب الشرقي والجنوب مركزا الثقل الديمغرافي و القلب الاقتصادي للبلاد, إذ يتركز فيهما أكثر من 2/1 ( 56.85% ) السكان ويوفران حوالي  ¾ (71.8%  ) الن.القومي الخام ويرتفع فيهما مستوى عيش السكان بشكل واضح.

- يعتبر الجنوب الشرقي أهم الأقاليم الصناعية بالبلاد ويستأثر مثلث ساوباولو/ ريو دي جينيرو / بيلو أوريزنتي بغالبية الإنتاج الصناعي. 9/8 قيمة الانتاج الصناعي 

- يضم الجنوب الشرقي الحاضرة العملاقة ساوباولو التي تعتبر العاصمة الحقيقية للبلاد فهي تأوي 80% من المؤسسات الكبرى الصناعية والخدمية وتسيطر على جميع الأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة العالية وتعد ثالث أكبر مدن العالم  من حيث عدد السكان  ( 21.066 مليون نسمة  سنة 2015) ويوجد بها القسم الأكبر من الطبقة الوسطى ويتجاوز إشعاعها المجال الوطني ليشمل أمريكا اللاتينية والعالم النامي.

=>  تركز شديد للأنشطة والمؤسسات والاستثمارات في الجنوب الشرقي الذي أشرف على التشبّع ممّا  دفع بعض الشركات إلى إعادة التوطّن في مناطق أخرى وخاصة في الجنوب حول بورتو ألاغري.

ب * ظروف ملائمة للتنمية:

- ارتبط اقتصاد الجنوب الشرقي بـ " دورة القهوة "  بين 1850 و 1930 , وقد جلبت هذه الزراعة رؤوس أموال كبيرة جهزت المنطقة الساحلية بالسكك الحديدية  وطورت مدينة ساوباولو  وساهمت في تنشيط ميناء سانتوس.

- مثلت أزمة الثلاثينات منعرجا حاسما في تاريخ تنمية الإقليم  لما أدرك "بارونات القهوة" مخاطر الارتباط بالزراعة الأحادية فوجهوا استثماراتهم إلى أنشطة جديدة صناعية بالأساس, وبذلك انطلقت حركة التصنيع في الجنوب الشرقي وتحولت ساوباولو إلى قطب اقتصادي هام.

- تدعمت مكانة الإقليم مع تطبيق نموذج التصنيع الموجه للتصدير منذ 1964 وتأكد الموقع المركزي له باستقطاب جل الاستثمارات الأجنبية المباشرة واحتضانه كل الصناعات واندماجه في الاقتصاد العالمي.

=> لا زال اشعاع << البرازيل المركزي >> يتّسع نفوذه على باقي الأقاليم ليكون الغانم الأكبر من مرحلة الانفتاح و الخوصصة

أقاليم طرفيّة في باقي المجال البرازيلي:

أ * برازيل متخلف بالشمال الشرقي:

- يمثل الشمال الشرقي "البرازيل القديم" وهو أكثر الأقاليم فقرا إذ يأوي ½ مجموع الفقراء.

- يضم 4/1 (26.91% ) من مجموع السكان ويتميز بكثافة سكانية عالية وحصيلة هجرية سالبة.

- نسبة مساهمته في الن. القومي الخام ضعيفة حيث لا يساهم سوى بـ 7/1 الثروة ( 13.6 % ) والتصنيع فيه محدود,يكاد يقتصر على مدينتي رسيف وسلفدور.

- ارتبط اقتصاد الإقليم بالزراعة الأحادية لقصب السكر منذ القرن الـ16 وتطور هذا النشاط بهيمنة كبار المالكين والشركات على الإنتاج الذي حال دون تحسين الظروف المعيشية للسكان.

- لم يستفد الشمال الشرقي من النماذج التنموية المتعاقبة ومن القفزة الاقتصادية ومازال الوضع العقاري والإرث العبودي يعرقلان التنمية في الإقليم فضلا عن الصعوبات الطبيعية الناجمة عن شدة الجفاف خاصّة في " مضلّع العطش ".

=> رغم محاولات إدماجه في المجال البرازيلي ، من خلال إعادة توطين الصناعات القديمة به و تحرير المبادلات التجارية مع الخارج ، يظلّ الشمال الشرقي إقليما متخلّفا و منفّرا للسكّان و المستثمرين .

ب * برازيل ريادي في الشمال والوسط الغربي:

تطلق على هذه الأقاليم "أقاليم الريادة" باعتبارها مناطق الاعمار والإحياء.

- يتميز الوسط الغربي بتعميره المشتت حيث لا يضم سوى 13/1 من سكّان البلاد ( 7.6 % ) على 5/1 المساحة ( 18.82 %) واعتماده زراعة الصوجا وتربية الماشية الممتدة في إطار مستغلات شاسعة جدّا ( الفازندات ) و التصنيع المحدود القائم على الصناعات الغذائية في مدينة كويبابا cuiba

- يعد إقليم أمازونيا في الشمال أكبر أقاليم البلاد حوالي 2/1 مساحة البرازيل ( 45.33 %) و أكبر  مجالات الريادة في العالم بفضل مخزونه الهائل من الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية ( مياه ، غابات ، نبات ) و المواد الأولية ( المنجمية و الطاقية )

- عرف الإقليم خلال القرن الـ19 " دورة المطاط " التي مكنت من اقتحام الغابة الكثيفة وأسهمت في نمو مدينتي بيليم ومناوس. ثم نشطت عملية الإحياء والاعمار بقوة في الـ70نات بعد شق الطريق العابرة لأمازونيا وتركيز أقطاب تنمية استفاد منها كبار مربي الماشية والشركات العالمية الكبرى. وأصبحت أمازونيا تعتمد على ثلاث أنشطة رئيسية: الزراعة وتربية الماشية,استغلال موارد الغابة واستخراج المعادن. أما التصنيع فيبقى منحصرا في مراكز محدودة أهمها مناوس.

- يستقطب هذا الإقليم أعداد متزايدة من المهاجرين الذين يقتحمون المحميات الطبيعية والأراضي المخصصة لقبائل الهنود الأمازونيين في مناطق شاسعة يسود فيها منطق القوة وتتعرض أمازونيا إلى استنزاف لثرواتها خاصة من كبار مربي الماشية والشركات عبر القطرية ملحقين أضرارا جسيمة بالبيئة.

=> رغم الطريق العابرة لأمزونيا و إحداث العاصمة الجديدة ( برازيليا ) و تأسيس أقطاب تنموية ( مناوس ) لا يزال التحكّم في المجال منقوصا بسبب ضعف شبكات النقل و عدم ترابطها ، و استقادة البرازيل المركزي ( الجنوب و الجنوب الشرقي ) من الاندماج الاقتصادي في نطاق " الماركسور" على حساب بقية الأقاليم الطرفيّة و الريادية .

خاتمة :

يشكو البرازيل من تباينات اجتماعية و مجالية هيكلية و مزمنة أعاقت جهود التنمية رغم مساعي الدولة للحدّ منها . و يظلّ النموذج التنموي البرازيلي – رغم تعديله – نهجا اقصائيا لقسم هام من السكّان و ال