حصيلة التنمية

المستوى : رابعة ثانوي                                                                                                                                                

المحور الثالث: الجنوبالمسألة الثانية: البلدان الأقل تقدما بالساحل الإفريقي                                      الدرسالأوّل: حصيلة التنمية  

 المقدمة :

 تضم منطقة الساحل الإفريقي 9 بلدان هي تشاد والنيجر ومالي وبوركينافاسو وموريتانيا والسينغال وغينيا بيساو وغامبيا والرأس الأخضر وتمتد على   مساحة شاسعة تقدر بـ 5.3ملايين كلم²وتعد أكثر من 85م نسمةسنة 2015.سعت هذه الدول منذ حصولها على الاستقلال السياسي في ستينات القرن   العشرين إلى تحقيق التنمية.  فماهي حصيلة التنمية في هذه الأقطار ؟

I- مستوى تنمية بشرية ضعيف:

1  )  دخل فردي ضعيف جدّا:

- تعد البلدان الأقل تقدما بالساحل الإفريقي من أفقر بلدان العالم إذ لا يتجاوز مجموع الن.د.خ لهذه البلدان التسعة الـ66.139 مليار دولار سنة 2013 و هو ما يمثل 1/8 ناتج دولة أوروبية صغيرة مثل بلجيكا و أقل من 1/2 ناتج شركة جنرال موتورز الأمريكية (155.42 مليار دولار سنة 2013

تتدنّى حصّة الفرد من الناتج الداخلي الخام إلى 1089 دولار ( 2013 ) و هي أقلّ من 1000 دولار في 5 من البلدان الـ9  لذلك ترتفع نسبة الفقر لتشمل 2/3 السكّان ( 62 %) و ترتفع نسبتهم إلى 4/5 السكّان في مالي و غينيا بساو و إلى 3/4 السكّان في النيجر و بوركينا فاسو و يعاني أكثر من 1/3 السكّان من الفقر المدقع ( أقل من 1.25 دولار/اليوم ) ( 36.2 %) لكن نسبتهم ترتفع إلى الـ2/1 في مالي و غينيا بيساو

نلاحظ عدم تجانس بين بلدان المجموعة  حيث ينخفض معدل الدخل الفردي إلى أدناه في النيجر ( 415 دولار ) بينما يصل إلى أقصاه بالرأس الأخضر ( 3767 دولار سنة 2013 ) . و داخل البلد الواحد بين الأرياف و المدن حيث ترتفع معدّلات الفقر بالأرياف ( 58.9 %) أي ضعف مستوياتها بالمدن ( 28 %) . و بين الفئات الاجتماعية حيث يحتكر 1/10 السكّان الأكثر غنى 3/1 الثروة في بلدان السّاحل الإفريقي  بينما لا يزيد نصيب الـ1/10 الأفقر على 3 %.  

 2  )  قدرة محدودة على الاستجابة للحاجيات الأساسية للسكان:

  أ ) الخصاصة الغذائية:

- يجسم الوضع الغذائي بهذه البلدان أحد مظاهر الفقر والبؤس إذ تشكو هذه البلدان من المجاعات المتواترة. و تعدّ مجاعات 1980 و 2005 أكثرها شمولا و اتساعا وترتبط هذه المجاعات بالجفاف الذي يتزامن مع موجات الجراد و غلاء أسعار الحبوب و أعلاف الحيوانات ممّا يؤدي إلى هلاك الكثير منها.

- يشكو 1/7 السكّان من نقص التغذية ( 15.63 %) و ترتفع النسبة إلى حوالي الـ1/3 في التشاد ( 29.40 %) و إلى الـ1/4 في بوركينافاسو

=> أزمة غدائية هيكلية تتواصل منذ 1/2 قرن .

ب ) تأطير صحي ضعيف:

- تعاني دول الساحل الإفريقي من ضعف التأطير الصحي الذي يبلغ أدنى مستوياته في العالم بكل من النيجر وبوركينافاسو ومالي إذ لا يتجاوز عدد الأطباء لكل ألف ساكن 4 أطباء.

- تتسبب الخصاصة الغذائية في تفشي الأمراض خاصة في صفوف الأطفال وهذا يؤدي إلى ارتفاع معدّل وفيات الأطفال إلى 61.14‰  و تصل إلى أقصاها في التشاد إلى 88.5 ‰ إضافة إلى تفشي الأوبئة كالملاريا والسل  ( 147 ‰ ) والسيدا ( 1.33 %) .

- يؤثر ذلك على معدل أمل الحياة عند الولادة لهذه الأقطار وهو الأدنى في العالم لا يتجاوز 59 سنة .

  ج ) انتشار الأمية:

تشمل الأمية أكثر من 1/2 السكان البالغين ( أكثر من 15 سنة ) ( 54.8 %) و تصل إلى 4/5 السكّان في النيجر ( 84.54 %) و 3/4 سكّان بوركينافاسو

ترتفع هذه النسبة لدى الإناث أكثر من الذكور ( 90% في النيجر ) وفي الأرياف أكثر من المدن.

و نفسّر ضعف نسبة التمدرس و ارتفاع نسبة الأمية بضعف البنية التعليمية بسبب عقم الاختيارات و الفقر و تدني معدّلات الإنفاق العمومي على التعليم إلى 1/6 ميزانيات دول الساحل الإفريقي ( 15.6 % ) و تنخفض إلى الـ 1/10 في التشاد

=> يختزل مؤشّر التنمية البشرية وضعية بلدان الساحل الافريقي فهي تأتي ضمن الـ50 الأخيرة و تحتل النيجر المرتبة الأخيرة ( 187 ) بـ 0.337 بينما تعدّ الرأس الأخضر الأفضل ترتيبا بين دول الاقليم ( المرتبة 123 سنة 2013 )

-II بنية اقتصادية هشة:

 1  )  نمو اقتصادي ضعيف و متذبذب:

 لئن بلغ متوسّط معدّل النموّ السّنوي بدول الساحل الافريقي ( 4.87 %) ضعف نسق النموّ العالمي ( 2.68 %  ) خلال الفترة ( 2000-2010 ) فقد   تميّز النمو الاقتصادي لهذه الدول بتذبذب حادّا من سنة إلى أخرى. و هو تذبذب مرتبط خاصة بتأثر القطاع الفلاحي بتقلبات الأمطار السنوية. كما يتميز   الناتج الداخلي الخام للفرد بضعف نسب نموها إذا ما استثنينا تشاد وموريتانيا ( بسبب تصدير النفط)  وهي بصفة عامة دون الـ  7 %  وهي عتبة تعتبرها الهيئات التابعة للأمم المتحدة حدّا أدنى من الواجب تحقيقه لتحسين مستوى العيش ولمقاومة ظاهرة الفقر.

2  ) فلاحة عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي:

  • تبقى الفلاحة القاعدة الأساسية لاقتصاديات البلدان الأقل تقدّما بالساحل الإفريقي ، فرغم تراجع إسهامها في التشغيل وفي الن.د.خ فهي تؤمّن 1/3 الناتج الداخلي الخام ( 30 %) و تشغّل 2/3 النشطين ( 69.4 %) و ترتفع مساهمتها إلى 94.5 %في بوركينا فسو
  • حافظ القطاع الفلاحي على البنية الثنائية الموروثة عن الاستعمار فهو يجمع بين فلاحة تقليدية مهيمنة و قطاع عصري محدود الانتشار يسود بالمناطق السقوية خاصة.

  أ )  الفلاحة التقليدية:تقوم على نظامين زراعيين متكاملين : هما الزراعي-الغابي و الرعوي- الترحالي:

  •   النظام  الزراعي-الغابي:

 - يسود بمناطق السافانا و المناطق التي تم التوسع فيها على حساب الغابات في نطاق زراعة الضريم. 

- يتعاطى السكان زراعة مطرية تعتمد إنتاج الحبوب الثانوية ( دخن ، درع، ذرة) إلى جانب استغلال الغابة ( خشب+ علف) كما يمارسون فلاحة سقويّة عند توفر المياه  (مجاري وآبار) في نطاق مستغلات صغيرة عائلية و تستعمل وسائل تقليدية بسيطة.

- كما تتميز هذه الفلاحة المعاشية بتذبذب إنتاجها المرتبط بتقلب كميات الأمطار السنوية. و كذلك بضعف مردودها حيث لا يتجاوز مردود الحبوب 12 قنطار/هك بجلّ بلدان الساحل الإفريقي .

- لذلك لا تحقق الفلاحة المعاشية الاكتفاء الذاتي الغذائي و ترتفع واردات المواد الغذائية الأساسية.

  •   النظام الرعوي-  الترحاليو هو من اختصاص قبائل البال ( peuls) و الطوارق و هي قبائل رحّل تعيش من تربية الأبقار و الإبل و الأغنام بالمناطق الشمالية ( الصحراء و السباسب) و لكنها ترتحل نحو الجنوب عند اشتداد الجفاف بحثا عن المرعى مما يثير نزاعات عديدة مع سكان المناطق الجنوبية.

  و رغم الصعوبات و ضعف المردود ساهم هذا النشاط في نمو الثروة الحيوانية التي  أصبحت تساهم في التصدير نحو البلدان الإفريقيّة المجاورة لكّنها   أحدثت   ضغطا على الموارد الطبيعية مما زاد في ظاهرة التصحّر و تقليص المراعي.

 ب )  الزراعات التصديرية: و هي موجهة أساسا للتصدير و تنشط في نطاق ضيعات كبيرة المساحة نسبيا وتعتمد وسائل عصرية و يد عاملة أجيرة و تستغل أخصب الأراضي و خاصة السقوية منها ( سهول نهر السنغال و النيجر) و تقوم على تعاطي زراعات تجارية مثل القطن ( بوركينافاسو) و الفول السوداني ( كاكاوية) بالسنغال  و قصب السكر بالتشاد .كما يواجه هذا القطاع عدة مشاكل كالمنافسة في الأسواق العالمية وتملّح التربة بسبب الري المفرط و التبخّر مما أحدث عدّة أضرار بيئية.  

 3  )  أنشطة حضرية ضعيفة:

  أ  )  هيمنة الأنشطة غير المهيكلة في المدن:

- أصبح النشاط غير المهيكل النشاط الأساسي ببلدان الساحل الإفريقي إذ يوفر أكثر من 3/4 مواطن الشغل بالمدن العواصم ويشهد توسعا وتنوعا متواصلين.

- يشتمل على أنشطة خدمية متنوعة مثل تجارة التفصيل والنقل والإطعام كما يضم ورشات صناعية بسيطة تشغّل أقل من 5 عمال يغلب عليها الطابع العائلي.

=> يلعبالقطاع غير المهيكل دورا اجتماعيا هاما فهو يوفّر فرص عمل ويحدّ من البطالة ويساهم في إدماج النازحين الجدد غير أنّه يحرم الدول من موارد ماليّة هامّة باعتباره ينشط خارج الأطر القانونية و لا يدفع الضرائب.

 ب  )  وظيفة صناعية محدودة:

  • - رغم أنّ حكومات الاستقلال بمختلف بلدان الساحل الإفريقي حاولت انتهاج سياسة تصنيعية ركزت على تحويل المواد الأولية المحلية نباتية أو منجمية. فإنّ جلّها يتسم بضعف التصنيع باستثناء السنغال التي تمكنت من إقامة صناعات كيميائية تعتمد على تحويل الفسفاط وصناعة غذائية لإنتاج الزيوت النباتية خاصة. و تبقى مساهمة الصناعة ضعيفة في التشغيل لا تتجاوز الـ1/10 (9.1 %). و في الناتج الداخلي الخام بـ 21.5% سنة 2013 و تتركز بالعواصم التي تهيمن على أكثر من1/2 الوحدات الصناعية مثل نيامي(النيجر) و داكار (السنغال) وباماكو(مالي) و واقادوقو ( بوركينافاسو).

-III تجارة خارجية ضعيفة وتعويل مفرط على المساعدات الخارجية:

تمثل بلدان الساحل الإفريقي مجالا طرفيا في الاقتصاد العالمي إذ لا تتجاوز مساهمة هذه الدول في التجارة العالمية 0.04% سنة 2004.

 1  )   تجارة خارجية ضعيفة:

لا تتعدّى مساهمة دول الساحل الافريقي مجتمعة الـ 0.03 %من التجارة العالمية سنة 2013 ( أي 3/1 المساهمة التونسية ) ممّا يفسّر هامشيتها و ضعف اقتصادياتها و مدى عزلتها عن العولمة رغم بعض الثروات الهامة ( الحديد بموريطانيا و الأورانيوم بالنيجر و النفط  حديثا بالتشاد )

  أ ) صادرات مقتصرة على عدد محدود من المواد الأولية:

  لم تتغير تركيبة الصادرات كثيرا عن التركيبة التي ورثتها بلدان الساحل الإفريقي عن الفترة الاستعمارية فقد بقي التصدير مستندا على عدد محدود من المواد الأولية المنجمية كالحديد بموريتانيا واليورانيوم بالنيجر والفسفاط بالسينغال والنباتية كالقطن وتصدير الأسماك المصدر الأساسي للعملة الصعبة في كل من موريتانيا والسينغال والرأس الأخضر.

=> شهدت أسعار هذه المواد المصدرة تذبذبا طيلة الـ40 سنة الماضية في الأسواق العالمية مما  قلّص انتظام المداخيل ويعرقل جهود التنمية باعتبار الحاجة للعملة الصعبة .

 ب ) واردات تجسد التبعيّة الغذائية:

تجسّد واردات دول السّاحل الإفريقي تبعيتها الصناعية و الغذائية و الطاقية ، فهي تورّد2/ 1 حاجياتها من المواد الصناعية  و 1/4 حاجياتها من المواد الغذائية الأساسية كالقمح و الأرز و الدرع ، و 1/6 حاجياتها من المواد الطّاقيّة نظرا لضعف مستوى التصنيع و ضعف الإنتاجية الفلاحية وافتقار هذه البلدان للمحروقات.

 ج ) موازين تجارية عاجزة وارتباط كبير للتجارة الخارجية بأوروبا:

تضاعفت قيمة العجز التجاري لدول الساحل الافريقي من 2003 حيث بلغت حوالي 8 مليار دولار سنة 2013  لكن هذا العجز يتفاوت من قطر إلى آخر كما أنّ بعضها أصبح يسجل فائضا بلغ 1400 مليون دولار سنة 2013 بالتشاد بفضل ارتفاع عائدات صادرات النفط الذي يمثل 94 %من قيمة صادراته سنة 2013.

 لكن بصفة عامة تجسّم الموازين التجارية الوضعية الصعبة للتجارة الخارجية للبلدان الأقل تقدما بالساحل الإفريقي باعتبارها تشكو من عجز هيكلي.  كما ترتبط التجارة الخارجية لهذه الأقطار ارتباطا وثيقا بأوروبا و تمثّل فرنسا أول طرف تجاري لجل هذه الأقطار.

 2  )  تعويل مفرط على المساعدات الخارجية:

 - حظيت بلدان الساحل الإفريقي الأقل تقدما منذ الـ70ـنات, نظرا لانتشار الفقر على نطاق واسع, ببرامج هامة للمساعدة العمومية من أجل التنمية وذلك إلى جانب برامج المساعدة الخاصة ولو أنها كان محدودة جدا.

- تقدّم هذه المساعدات من الدول الغنية والمؤسسات الدولية وتتخذ أشكالا متعددة كالمساعدات الغذائية والهبات والقروض والمساعدة الفنية. و بلغ مجموعها حوالي 7679.8 مليون دولار سنة 2013 .

 => حققت هذه المساعدات بعض النتائج الايجابية في المشاريع ذات الصبغة التقنية والظرفية كالمشاريع المائية والصحية ولكنها فشلت في تحقيق تحولات جذرية في مستوى الهياكل الاقتصادية ولاسيما في تطوير الأرياف و حلّ مشكلة التخلف ببلدان الساحل الإفريقي.كما خلفت القروض المسندة في هذه المساعدة تبعيّة مفرطة تجاه البلدان المقرضة وكانت أحد مصادر الدين الخارجي.

خاتمة :

 رغم المجهودات الحكومية و الدولية و تحسن بعض المجالات ،  تبرز مؤشرات التنمية حصيلة متواضعة جدا لبلدان الساحل الإفريقي، بسبب الظروف غير المساعدة و ضغوطات الموقع و محدودية الموارد المالية الضرورية. فماهي الظروف الداخلية والخارجية التي حالت دون تقدم بلدان الساحل الافريقي؟