الحرب العالمية الثّانية4آداب

   الدرس الخامس : الحرب العالمية الثّانية

المحور الأوّل: العالم المعاصر من 1914 إلى1945                            االحرب العالمية الثانية

مقدمة : لم يتّعض العالم الغربي من الحرب الكونيّة الأولى ونتائجها الكارثيّة إذ دخل في حرب كونية ثانية امتدت من 1939 إلى 1945 وكانت أكثر دمارا وشموليّة.       فماهي أسبابها ؟ ونتائجها ؟

I– أسباب الحرب العالمية الثانية :

 

❶  مخلفات الحرب العالمية الأولى و أزمة الثلاثينات الاقتصادية:

 

 أ ) مخلفات الحرب العالمية الأولى :   خيّبت سلم 1919 آمال الايطاليين بسبب تجاهل جزء هام من مطالبهم الترابيّة, وقد استغلّ الفاشيون ذلك وأجّجوا الشعور القومي ووصلوا إلى السلطة وعملوا على إعادة مجد روما وطالبوا بإعادة تقسيم المستعمرات.

- و فقد الاتحاد السوفياتي  جزءا من أراضيه من بينها مناطق البلطيق التي شكّل منه المنتصرون " حزاما صحيّا " ضدّ تسرب الشيوعيّة إلى الغرب.

- و بقيت مشكلة القوميات قائمة خاصّة في أوروبا الوسطى حيث تكوّنت تشيكوسلوفاكيا من فسيفساء من القوميّات  (ألمان,مجريون,روس,رومانيون...)

- كم أدّت معاهدة فرساي إلى تمزيق الوحدة الترابيّة والبشريّة لألمانيا وكبّلتها بدفع تعويضات مشطّة فاعتبرت ألمانيا ذلك طعنة من الخلف.

  ب ) أزمة الثلاثينات الاقتصادية  تسبّبت أزمة الثلاثينات الاقتصاديّة ( 1929 ) في اتّساع الهوّة بين الدول الرأسماليّة وزادت في إذكاء الأطماع التوسعيّة لعدد من الدول المتضررة من عواقبها وقد أدت الأزمة إلى ظهور مجموعتين من الدول اختلفت من حيث قدرتها على مواجهتها للأزمة :

 - مجموعة أولى تتألف من دول غنيّة تمكّنت بفضل أهميّة أسواقها الداخليّة ومستعمراتها من تجاوز مخلفات الأزمة بسرعة.

 - مجموعة ثانية تتألف من دول أقل غنى وتتكون من دول تشكو من ضيق أسواقها وافتقارها للمستعمرات وتتألف خاصة من ألمانيا وايطاليا واليابان وقد رأت هذه الدول أنّ الحل يكمن القومية الاقتصادية و في انتهاج سياسة توسّعية.

❷ سياسة الأمن الجماعي من الانفراج إلى التأزم:

  أ ) تحديات الدكتاتوريات وتقاربها:    سعت جمعية الأمم منذ تأسيسها في 1920 إلى تحقيق  الأمن الجماعي بتسوية المشاكل الدولية عن طرق التشاور و الحوار و التفاوض و العمل على نزع السلاح

لذلك ظهرت فترة من الانفراج السياسي بين 1924 و 1928 تميّزت بالتقارب الألماني الفرنسي باتفاقّية " لوكارنو " 1925بسويسرا بين ألمانيا و فرنسا و بلجيكيا التي تقضى  ضرورة احترام الأطراف الثلاثة للحدود القائمة كما تمّ قبول عضويّة ألمانيا بجمعيّة الأمم في سبتمبر 1926.

غير أنّ مضاعفات أزمة الثلاثينات الاقتصاديّة وتّرت العلاقات الدوليّة  و أفشلت سياسة الأمن الجماعي و يظهر ذلك من خلال  :

- فشل ندوة جنيف لنزع السلاح فيفري 1932 ورفض فرنسا حقّ ألمانيا في التسلّح.فانسحبت ألمانيا من الندوة ثمّ من جمعيّة الأمم في أكتوبر 1933 وقرّر هتلر العودة إلى التسلّح سرّا والتملّص من معاهدة فرساي .

- رفض اليابان الانسحاب من منشوريا التي احتلتها في ديسمبر 1931. و انسحبت من جمعية الأمم في 17 مارس 1933

- فشل العقوبات الاقتصادية على إيطاليا بعد احتلالها لأثيوبيا في أكتوبر 1935 ودعم ألمانيا لها بإعلان محور روما برلين أكتوبر 1936 ومغادرتها للمنظمة الأممية ديسمبر 1937

- استرجاع ألمانيا لمنطقة السارّ من بلجيكيا في جانفي 1935 عن طريق الاستفتاء.و إعلان هتلر العودة إلى الخدمة العسكرية الإجبارية وإعادة تسليح منطقة رينانيا المنزوعة السلاح مارس 1936 مخالفا لما جاء في معاهدة فرساي ردّا على معاهدة التعاون الفرنسية السوفياتية ماي 1935

- وقوف الأنظمة الكليانية إلى جانب الثورة الفاشية في إسبانيا لدعم الجنرال فرانكو بين 1936 و1939

- إبرام ألمانيا واليابان لاتفاقية الحلف المضاد للشيوعية العالمية نوفمبر 1937 ثمّ انضمّت إليهما إيطاليا إسبانيا والمجر

 ب ) ضعف الديمقراطيات وتباعدها مقابل تقارب الأنظمة الدكتاتورية تميّزت  الديمقراطيات بضعفها لانشغالها بمشاكلها الداخليّة الناجمة عن مضاعفات أزمة الثلاثينات الاقتصاديّة و بالإضافة إلى الصراعات الداخلية بين القوى النازية و الفاشية ( خاصة بفرنسا )  وميل الرأي العام لشعوبها إلى السلم ومن مظاهر هذا الضعف :

- انتهاج فرنسا و انقلترا لسياسة المسالمة والتهدئة وتقديم التنازلات  خاصة من جانب أنقلترا لتجنّب الحرب .كما تحصنت فرنسا وراء خط "ماجينو" الحدودي مع ألمانيا.

- أما الو.م.أ  فقد توخت سياسة الانعزال و الحياد " تجاه القضايا الأوروبية " بعد الحرب الأولى ورفضها الانضمام إلى جمعيّة الأمم

=> تسابقت كلّ من الدكتاتوريات و الديمقراطيات لكسب تحالف أو على الأقل مساندة الاتحاد السوفياتي فنجحت ألمانيا في ذلك و وقعت معاهدة عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفياتي في أوت 1939

 

 ج) ألمانيا النازية والسير نحو الحرب:

عمل هتلر عند وصوله إلى الحكم على تطبيق برنامجه الوارد في كتابه " كفاحي " ويقوم هذا البرنامج على:

- نقض معاهدة فرساي وتحقيق المجال الحيوي للشعب الألماني الذي يقع شرقي القارة الأوروبية  وقد كانت الخطوة الأولى في  الانسحاب من جمعية الأمم سنة 1933 لتنفيذ مختطته التوسعي ثمّ قام باحتلال منطقة السار و أعلن اعادة القوة الجوية الألمانية و التسلّح ثمّ ضمّ النمسا في مارس 1938 ثمّ طالب بمنطقة السودات التابعة لتشيكوسلوفاكيا التي يعيش بها 3 مليون ألماني.

- عجزت فرنسا و انقلترا على معارضة عقد مؤتمر مونيخ يومي 28/29 سبتمبر 1938 كمحاولة لإنقاذ السلم وانتهى بتلبية مطالب ألمانيا الترابيّة .

-  ضعف الديمقراطيات و استجابتها لمطالبه أغرته بمواصلة سياسته التوسعية  في تشيكوسلوفاكيا و طالب بمدينة دانتزينغ البولونيّة فتبيّنت أطماع هتلر التوسعيّة  وقرّرت الديمقراطيات التصدي فأيقن الجميع أن الحرب وشيكة وانطلق السباق نحو التحالف :

  * الحلف الفولاذي : 31 مارس 1939 بين ألمانيا وايطاليا.

* معاهدة عدم الاعتداء بين روسيا وألمانيا في 23 أوت 1939

- وفي 1 سبتمبر 1939 اقتحمت ألمانيا الأراضي البولونيّة فأعلنت انقلترا وفرنسا الحرب على ألمانيا يوم 3 سبتمبر 1939 فاندلعت الحرب العالميّة الثانية.

=>        انتهت الحرب سنة 1945 بانتصار الحلفاء على المحور . فماهي انعكاساتها؟

II) أهم أطوار الحرب العالمية الثانية

1        ) الطور الأول : انتصارات المحور سبتمبر 1939 إلى 1942 .

" الحرف الخاطفة ": ( بدأت ألمانيا عمليتها باعتماد الحرب الخاطفة ( استخدام مكثّف و متزامن للدبابات و الطائرات ممّا مكنها من تحقيق انتصارات سريعة و ساحقة على حساب بولونيا ، ثمّ الدنمارك و النرويج

الجبهة الغربية :بعد احتلال هولندا و اللكسمبورغ و بلجيكيا  اجتاحت القوات الألمانية  فرنسا في جوان 1940

صمود بريطانيا :شنّ الألمان قصف جوي كثيف على بريطانيا التي أرهقت دون أن تستسلم فحاول هتلر عزلها عن مستعمراتها عن طريق حرب الغواصات في المحيط الأطلسي  الحرب في المتوسط: انتقلت الحرب إلى البحر المتوسط باحتلال لقوات النازية ليوغسلافيا و اليونان ثمّ جزيرة كريت ( بعد هزيمة القوات الايطالية ) و انطلق الافريقي بقيادة رومل في اتجاه قناة السويس بمصر

الهجوم على الاتحاد السوفياتي:22 جوان 1941 – 5 دسمبر 1941 ( عملية برباروسيا )استهدفت القوات النازية بلدان البلطيق و غرب الاتحاد السوفياتي و اقتربت من موسكو و حاصرت ستالينغراد و بحلول الشتاء تغيّر الوضع على الميدان

 دخول الو.م.أ الحرب: هاجمت اليابان القواعد الأمريكية في المحيط الهادي و انطلق في احتلال مناطق شاسعة من جنوب شرق آسيا فأعلنت الو.م.أ الحرب على دول المحور في 7 ديسمبر 1941

2 ) الطور الثاني : تفوق الحلفاء و استسلام المحور ( 1942 – 1945 )

معركة ستالينغراد و بداية الهجوم السوفياتي المعاكس:  تمكن الجيش الأحمر السوفياتي من فكّ حصار مدينة ستالينغراد في 19 نوفمبر 1942 و شرعوا في هجوم معاكس على طول الجبهة الشرقية فتقهقر الجيش الألماني

الحرب في شمال إفريقيا: أجبر الجنرال الألماني رومل " ثعلب الصحراء " على التراجع أمام الجنرال منتغمري بالعلمين في 3 نوفمبر 1942 حيث تمكن من اجلاء الألمان عن مصر و ليبيا و مطاراتهم في البلاد التونسية

إنزال قوات الحلفاء بالمفرب الأقصى و الجزائر بقيادة الجنرال الأمريكي ايزنهاور في اطار عملية " تورش " ( 8 – 16 نوفمبر 1942 )

محاصرة قوات المحور و استسلامها في تونس في 13 ماي 1943 .

الحرب في أوروبا ( الجبهة الجنوبية و الغربية ) :   بعد التفرّغ من جبهة شمال افريقيا ، فتح الحلفاء جبهة جنوبية ( في اتجاه صقلية و ايطاليا ) فاستسلمت ايطاليا في 8 سبتمبر 1943 . و تمّ فتح جبهة غربية من خلال عملية إنزال ضخمة بنورمانديا 6 جوان 1944 فتمّ تحرير بلجيكيا و هولندة ثمّ فرنسا باستعادة باريس 25 أوت 1944 بعد 4 سنوات من الاحتلال النازي

استمرار الهجوم السوفياتي ( عل الجبهة الشرقية :تواصل زحف القوات السوفياتية في اتجاه بلدان أوروبا الشرقية فتم تحرير كلّ بلدان أوروبا الشرقية ( بولينيا ، رومانيا، بلغاريا ... ) و الوصول إلى برلين في 16 أفريل – 2 ماي 1945 ) و الالتقاء بالقوات الحليفة فاستسلمت ألمانيا دون شروط في 7 ماي 1945

الحرب في الشرق الأقصى: قادة الو.م.أ الحرب على اليابان و استرجعت منه كلّ المناطق و الجز التي احتلها و للتعجيل بإنهاء الحرب و اختبار السّلاح النووي الجديد قرّر الرئيس الأمريكي نرومان قصف المدينتين اليابانيتين هيروشيما ( في 6 أوت 1945 ) و ناغازاكي ( في 9 أوت 1945 بالقنبلة النووية فاستسلم اليبان دون شروط في 2 سبتمبر 1945

 

-III  نتائج الحرب العالمية الثانية:

 

❶النتائج البشرية والاقتصادية:

 

 أ ) الحصيلة البشرية:

 - تجاوز عدد ضحايا الحرب العالميّة الثانية 50 مليون قتيل نصفهم من المدنيين و 35 مليون جريح بسبب أعمال القصف والإبادة الجماعيّة .

- تفاوتت هذه الخسائر حسب الأقطار : 20 مليون في الاتحاد السوفياتي ( 11 % من مجموع سكانها) وبولونيا 6 مليون ( 12 % ).

بينما لم تسجل الو.م.أ أكثر من 350 ألف قتيل جلّهم عسكريين باعتبار أنّ الحرب لم تجر على أراضيها.

=>         أصبحت أوروبا تعيش فراغا ديمغرافيّا خاصّة في فئة الأعمار المنتجة.

 ب ) الحصيلة الاقتصادية:

* تراجع أوروبا:   - أدّى القصف الجوي إلى تدمير شبه كامل لبعض المدن مثل كوفنتري بانقلترا و هيروشيما باليابان إلى جانب تدمير المحاصيل الزراعيّة والبنية التحتيّة.

- خرجت أوروبا في وضع شبيه بما كانت في أعقاب الحرب الكبرى الأولى منهارة ديمغرافيّا واقتصاديّا وماليّا .

* استفادة الدول الأخرى:   - وهي البلدان الجديدة مثل كندا – الأرجنتين , حيث قامت اثناء الحرب بتزويد البلدان الأوروبية بالمواد الغذائية والصناعية والأموال.

- مقابل انهيار الاقتصاد الأوروبي كانت الو.م.أ أكبر مستفيد من الحرب إذ تخلّصت نهائيّا من مضاعفات أزمة الثلاثينات الاقتصاديّة وضاعفت إنتاجها الصناعي بنسبة 75 % وأصبحت تمتلك 80 % من رصيد الذهب في العالم وتبوّأت عملتها المكانة الأولى وأصبحت أول قوة اقتصادية في العالم وهذا ما يفسر عرضها لمخطط "مارشال" لمساعدة البلدان المتضررة من الحرب.

❷النتائج السياسية:

 

  أ ) الخريطة الجغراسياسية للعالم بعد 1945:

- خسرت ايطاليا جميع مستعمراتها. / - عاد اليابان إلى حدود أرخبيله. / - كان الاتحاد السوفياتي أكبر مستفيد من التغييرات حيث استرجع بلدان البلطيق الثلاثة وجزء من بولونيا وأرخبيل جزر الكوريل على حساب اليابان / - بولونيا توسعت غربا على حساب ألمانيا. / - تقسيم ألمانيا إلى مناطق احتلال بين الحلفاء الأربعة ( فرنسا ,انقلترا,الو.م.أ,الاتحاد السوفياتي)

  ب ) نشأة منظمة الأمم المتحدة:  عقد الحلفاء ندوة في يالطا بالاتحاد السوفياتي بين 4 و 11 فيفري 1945 وقرروا بعث منظمة الأمم المتّحدة التي أعلن ميثاقها في مؤتمر سان فرانسيسكو في جوان 1945 وتهدف إلى الحفاظ على السلم في العالم وتطوير التعاون الدولي واحترام حقوق الإنسان وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها

-   تتكوّن المنظمة الأممية من هياكل:  - الجمعية العامة : وتتكون من الدول الأعضاء ولها دور استشاري

                                                -  مجلس الأمن: ويضمّ 11 عضوا منهم الخمس دول الكبرى دائمة العضوية وتتمتّع بحقّ النقض "الفيتو"

هياكل متخصصة مثل محكمة العدل الدولية ،منظمة الأغذية والزراعة ،منظمة التربية والثقافة والعلوم ( اليونسكو)، منظمة الصحّة العالمية، البنك العالمي وصندوق النقد الدولي

  خاتمة: أكدت الحرب الكونيّة الثانية تراجع أوروبا مقابل بروز عملاقين جديدين يتنازعان الهيمنة على العالم وهما الو.م.أ والاتحاد السوفياتي بينما استفادت المستعمرات من الظرفيّة الجديدة المنبثقة عن الحرب الثانية للدخول في مرحلة حاسمة من النضال من أجل التحرّر.