تونس في العشرينات4 آداب

المحور الأوّل: العالم المعاصر من 1914 إلى 1945

تونس من نهاية الحرب العالميّة الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية

الدرس الأوّل: تونس في العشرينات

مقدمة الدرس

مثّلت فترة العشرينات من القرن العشرين (XX) مرحلة هامّة في تاريخ تونس المعاصر حيث تميّزت بميلاد أوّل حزب سياسي منظّم هو الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي، ونشأة أوّل حركة نقابيّة تونسيّة مستقلّة هي جامعة عموم العملة التّونسيّة، كرافدين أساسيين من روافد الحركة الوطنيّة التّونسيّة. فما هي ظروف نشأتهما ؟ وإلى أيّ مدى عبّرت برامجهما عن مشاغل التّونسيين ومطالبهم ؟ وإلى أي مدى مكّنت الطّرق النّضاليّة المعتمدة من تحقيق هذه المطالب ؟

I ظروف استئناف العمل الوطني خلال العشرينات :

الظروف الداخليّة:تردي الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة بتونس

 أ * استنزاف الطاقات البشرية:

   خسرت تونس رصيدا بشريا هاما نتيجة مشاركة أبنائها في الحرب إلى جانب فرنسا أو بسبب تهجير اليد العاملة لدعم الاقتصاد الفرنسي إذ بلغ عدد القتلى والمفقودين 15ألف.

ب * العودة إلى الاستعمار الزراعي وتوريد البضائع المصنوعة:

 - استأنفت فرنسا الاستحواذ على أراضي التونسيين غداة الحرب وتوريد البضائع المصنعة مما أضر بمصالح الفلاحين والحرفيين والتجار التونسيين وزاد في غضبهم وحقدهم على المستعمر الفرنسي.

ج * سن قانون الثلث الاستعماري:

- يتمثل هذا الإجراء في الترفيع في أجور الموظفين الفرنسيين بنسبة الثلث مقارنة بنظرائهم بفرنسا (قصد إغراء الفرنسيين للقدوم إلى تونس) مما أدى إلى تعميق الفوارق في الأجور بين الفرنسيين والتونسيين.

- أثار قانون الثلث الاستعماري لفائدة الفرنسيين غضب الموظفين التونسيين والمثقفين الذين أغلقت في وجوههم أبواب الوظيفة العمومية.

د * الأزمة الاقتصادية وغلاء المعيشة:

- أدى الجفاف غداة الحرب إلى انهيار المحاصيل الزراعية وغلاء الأسعار فتفاقم البؤس والفقر وغضب السكان بعد مضاعفة قيمة الضرائب من طرف سلطة الحماية فتعددت الاحتجاجات والمظاهرات المنددة بغلاء المعيشة.

 =>    ساهمت هذه الظروف في تنامي الوعي الوطني لدى كافة شرائح الشعب التونسي التي تضررت من كل هذه الإجراءات.

الظروف الخارجيّة:

 أ * تأثير مبادئ ولسن:

- وجد التونسيون في  مجموعة المبادئ التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسن بعد انتهاء

الحرب العالمية الأولى حافزا لهم وطالبوا بتطبيقها وخاصة مبدأ حق الشعوب في تقرير

مصيرها. ( كانت تعني الشعوب الخاضعة لألمانيا والنمسا ).

ب * تأثيرالثورة البلشيفيّة:

تبنت الثورة البلشيفية اثر نجاحها مبادئ مناهضة للاستعمار وأعلنت مساندتها لحركات التحرر الوطني .

ج * نجاح الحركات الوطنية بتركيا ومصر:

- تطور النضال  الوطني في تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك الذي تمكن من هزم اليونانيين سنة 1921 وطرد الحلفاء بمقتضى معاهدة سيفر.

- الثورة المصرية بقيادة سعد زغلول والتي توجت باستقلال مصر سنة 1922.

        => ساهمت مجمل هذه الظروف في تنامي الوعي الوطني وبروز الحزب الحر الدستوري التونسي.

I I- الحزب الحر الدستوري التونسي:نشأته, برنامجه, ونشاطه:

  ظروف نشأته: من " الحزب التونسي " إلى " الحزب الحر الدستوري التونسي:

 أ * "الحزب التونسي":

- ظهر "الحزب التونسي" سنة 1919 وضم عناصر من قدماء حركة الشباب التونسي مثل عبد العزيز الثعالبي وأحمد الصافي وحسن القلاّتي وبعض الصحفيين والمحامين والأطباء.

- تركز نشاطه بالخارج بهدف الاستفادة من الظروف العالميّة الجديدة, وتم إرسال أحمد السقا إلى باريس منذ أفريل 1919 قبل أن يلتحق به عبد العزيز الثعالبي, وكان لهما اتصالات ببعض القادة الاشتراكيين ورئيس رابطة حقوق الإنسان.

- أصدر عبد العزيز الثعالبي ( رفقة أحمد السقا ) بباريس كتاب " تونس الشهيدة " سنة 1920 تعرض فيه لتجاوزات نظام الحماية في تونس وشرح مطالب التونسيين التي تركز على تمكين البلاد من دستور وبرلمان منتخب.

ب * "الحزب الحر الدستوري التونسي":

- في مارس 1920 برز "الحزب الحر الدستوري التونسي" بقيادة الثعالبي كبديل عن "الحزب التونسي". 

 - أعلن برنامجا من 9 نقاط (جوان 1920) مستوحى من كتاب "تونس الشهيدة" : مجلس تفاوضي مشترك و حكومة مسؤولة أمامه, والفصل بين السلط, والمساواة في الوظيفة العمومية و الأجور و اشتراء أراضي الدولة ، إحداث مجالس بلدية منتخبة ، احترام الحريات العامة ، و إجبارية التعليم .

  =>   برنامج معتدل يهدف إلى تحقيق المساواة بين التونسيين والفرنسيين وتشريك التونسيين في إدارة شؤون البلاد في إطار الحماية.

نشاط الحزب وردود فعل سلطة الحماية:

 أ * نشاط الحزب الحر الدستوري التونسي:

  إضافة إلى الصحف والشعب الدستورية اختار قادة الحزب طريقة العرائض الممضاة من قبل آلاف التونسيين حتى تكون مطالبه شرعية واعتمد سياسة الوفود لتحقيقها ومن أهم هذه الوفود التي اتجهت إمّا إلى الباي أو للحكومة الفرنسية نذكر:

- في جوان 1920 : وفد الأربعين إلى الباي (محمد الناصر) والوفد الدستوري الأول إلى فرنسا لتقديم برنامج الحزب والدفاع عن الأحباس الخاصّة.

- في ديسمبر 1920 : وفد دستوري ثاني إلى باريس لمقابلة المقيم العام الجديد   "لوسيان سان" الذي رفض مطلب الدستور ووعد بإصلاحات.

- في ديسمبر 1924: وفد دستوري ثالث لم ينجح في إزالة مخاوف الفرنسيين من نشاط الحزب وعلاقته بالنقابيين والشيوعيين.

 =>   لم تسفر هذه الوفود سوى على بعض الوعود بإصلاحات مع رفض فكرة الدستور الذي يمثل المطلب الرئيسي للوطنيين التونسيين.

- مكن نشاط الحزب الحر الدستوري التونسي الحركة الوطنية من تجاوز طورها النخبوي

لتصبح حركة سياسية منظمة يشمل تأثيرها عدّة مناطق من البلاد حيث ارتفع عدد المنخرطين إلى 45 ألف منخرط وعدد الشعب إلى 70 شعبة بفضل قيادة عصرية ومتفتحة ساهمت في بث الوعي الوطني.

ب * ردود فعل سلطة الحماية:

 عمدت سلطة الحماية إلى:

- تشجيع المعتدلين داخل الحزب على الانشقاق فرحبت ببروز الحزب الإصلاحي في أفريل 1922 لإضعاف الحركة الوطنية.

- إعلان مجموعة من الإصلاحات تتمثل خاصة في بعث المجلس الكبير الذي يضم 44 عضو فرنسي و18 عضوا تونسيا وقد رفض الدستوريون هذه الإصلاحات بينما قبلها المعتدلون مما زاد في عزلة الحزب الحر الدستوري التونسي.

-  السعي إلى القضاء على الحزب الحر الدستوري التونسي بالضغط على الثعالبي لمغادرة البلاد سنة 1923 وإصدار الأوامر الاستثنائية للنيل من الحريات العامّة مثل منع الاجتماعات و الصحف سنة 1926 .

  =>  إجراءات ساهمت في دخول الحركة الوطنية في فترة ركود نسبي 1926- 1929 إلى حين اندلاع أزمة الثلاثينات الاقتصادية التي كانت منطلقا لميلاد حزب تونسي جديد أكثر تجذرا و تنظيما .

III  جامعة عموم العملة التونسيّة:

ظروف نشأتها:

 أ * تدهور الأوضاع الاجتماعية للعمال التونسيين:

- احتدت التناقضات الاجتماعية بين العمال التونسيين والفرنسيين في معظم القطاعات في مستوى الأجور والتشغيل والضمانات الاجتماعية.

- سخّر اتحاد النقابات الفرنسية كل طاقاته للدفاع عن مصالح العمال الأوروبيين وتجاهل مشاغل التونسيين.

- ساهمت هذه التناقضات الاجتماعيّة وسياسة التمييز الذي توخاها "اتحاد النقابات الفرنسية" في تنامي وعي العمّال التونسيين بهذه التناقضات وبضرورة تكوين منظمة نقابيّة تدافع على مصالحهم.

ب * إضرابات عمّال الرصيف :

شهدت صائفة 1924 موجة من الاضطرابات انطلقت بإضراب عمّال الرصيف بالعاصمة ثمّ امتدت إلى منطقة بنزرت. وقد رفضت السلط مطالب المساواة في الأجور بين التونسيين والفرنسيين.

  =>     شكلت إضرابات 1924 الظروف المباشرة لتأسيس جامعة عموم العملة التونسية.

ج * تأسيس جامعة عموم العملة التونسية:

- تأسست "لجنة دعاية" برئاسة محمّد علي الحامي لتسيير إضرابات عمّل الرصيف.

- استغلّت "لجنة الدعاية" موجة احتجاجات العمّال لتساهم في بعث عدّة نقابات في العاصمة ( عمّال الرصيف, السكك الحديدية, الترامواي...).

- توّج نشاط اللجنة بالإعلان في سبتمبر 1924 عن تأسيس " جامعة عموم العملة التونسية" وإسناد كتابتها العامّة إلى محمد علي الحامي

- شرع قادة الجامعة (الحامي, المختار العياري, أحمد بن ميلاد...) في عقد الاجتماعات وتأسيس المزيد من النقابات ( نقابة شركة صفاقس, قفصة للفسفاط, عمال الرصيف بصفاقس...) 

 فكيف كانت مواقف مختلف الأطراف من جامعة عموم العملة التونسية؟

  المواقف من الجامعة وعزلتها:

 أ * موقف النقابات الفرنسية وسلطة الحماية من الجامعة:

- ناهض " اتحاد النقابات الفرنسية " الجامعة بدعوى أنها تمثل ضربا لوحدة العمّال. ولكنه في الحقيقة كان ضدّ المساواة في الأجور وتحالفها مع الشيوعيين.

- اتفقت سلطة الحماية مع " اتحاد النقابات الفرنسية " في اعتبار الجامعة خطرا يهدد المصالح الاستعمارية فلم تعترف بها وألصقت بقادتها التهم واعتبرتهم يعملون في خدمة مصالح ألمانيا والاتحاد السوفياتي وحاكمتهم بتهمة التآمر على أمن الدولة.

ب * موقف الحزب الحر الدستوري التونسي من الجامعة:

ساند الدستوريون الجامعة عند نشأتها وفتح لها مقراته الاجتماعية وصحفه لكنهم سرعان ما تخلوا عنها أملا في الحصول على إصلاحات, من خلال الإمضاء على تصريح مشترك مع الاشتراكيين والإصلاحيين التونسيين (فيفري 1925) يدعون فيه العمّال التونسيين بالعودة إلى " اتحاد النقابات الفرنسية "

   =>  أفضت كل هذه المواقف إلى عزلة الجامعة وانحلالها غير أنها مثلت رافدا من روافد الحركة الوطنية وتجربة أسست لتجارب نقابية جديدة.

خاتمة:

لئن تعدّدت الأشكال النّضالية للوطنيين التونسيين خلال عشرينات القرن العشرين؛ فهي لم تفلح في تحقيق طموحات التونسيين. إلاّ أنّ هذه الفترة مثّلت مرحلة هامّة من مراحل النّضال الوطني، أسّست لقواعد الحركة الوطنية التونسية ومهّدت لمزيد تجذّر العمل الوطني في الثلاثينات.