تونس في الثلاثينات4 آداب


المحور الأوّل: العالم المعاصر من 1914 إلى 1945

تونس من نهاية الحرب العالميّة الأولى إلى نهاية الحرب العالمية الثانية

الدرس الثاني: تونس في الثلاثينات

مقدمة الدرس

ازدادت أوضاع التونسيين ترديا بسبب تداعيات أزمة الثلاثينات وهي أزمة دخيلة لم يتعودوا عليها مما عمق التناقضات بينهم وبين الجالية الفرنسية,إضافة إلى ما صاحب السياسة الفرنسية من استفزازات,هذه الظروف الجديدة من شأنها أن ترتقي بالحركة الوطنية التونسية في اتجاه التصعيد.

-         فماهي الظرفية الجديدة التي ميزت الثلاثينات؟

-         وماهي مظاهر تطور الحركة الوطنية في هذه الفترة؟

I - ظرفيّة الثلاثينات :

أزمة الثلاثينات الاقتصادية وأثرها في المجتمع التونسي:

  شهدت تونس أزمة مزدوجة:

- أزمة تقليدية تمثلت في تدهور الإنتاج الفلاحي بسبب الجفاف والجراد في بداية الثلاثينات.

- أزمة عصرية ناتجة عن أزمة الثلاثينات الاقتصادية العالمية حين أجبرت على غلق أسواقها في وجه المنتوجات التونسية الفلاحية والمنجمية التي انهارت أسعارها بينما نافست السلع الأوروبية مثيلاتها التونسية بقوّة.

 =>  تأزم الصناعات والتجارة التونسية تبعا لذلك, كما طال التأثير المجتمع التونسي حيث أفلس العديد من صغار الفلاحين والتجار والحرفيين وتفاقمت البطالة في صفوف العمال التونسيين وتراجعت القدرة الشرائية وانتشر الفقر والبؤس فعمّ الغضب السكان (نهب المخازن 1934).

  تحدي سلطات الحماية للمشاعر الوطنية:

إلى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فقد تعددت مظاهر تحدي المشاعر الوطنية للتونسيين من خلال:

- تنظيم المؤتمر الأفخارستي بقرطاج (ماي 1930) وهو مؤتمر مسيحي يعتبر انعقاده على أرض إسلامية استفزازا لمشاعر السكان المسلمين. وقد نددت الحركة الوطنية بهذا المؤتمر ودعت ممثلي السلطتين الرسمية والشرعية إلى عدم حضوره .

 - الاحتفال بخمسينية انتصاب الحماية على تونس (ماي 1931) والذي تم تمويله من الخزينة التونسية في ظرف كان الشعب يواجه فيه خطر المجاعة.

- قضية التجنيس والمتجنسين حيث سعت فرنسا إلى تعزيز حضورها البشري في تونس بإصدار قانون التجنيس سنة 1923 والذي يسعى في جانب آخر إلى ضرب الهوية التونسية. وقد تحول التجنيس إلى قضية والى سبب للمصادمات بين الأهالي والسلطات الفرنسية,حيث رفض السكان المسلمون بشدة دفن المتجنسين في مقابرهم. وما رافقها من أحداث دفن المجنسين التونسيين في مقابر المسلمين (أفريل 1933).

 النشاط الثقافي والجمعياتي:

- تحدت الصحافة الوطنية القوانين الاستثنائية الصادرة سنة 1926 والتي من فصولها منع صدور الصحف باللغة العربية ، فأصبحت هذه الصحف تصدر

 باللغة الفرنسية ومن أهمه صحيفة "العمل التونسي" التي جمعت حولها نخبة من الشبان الوطنيين الذين تلقوا ثقافة عصرية ومنهم محمود الماطري والحبيب بورقيبة.

- كما برزت نهضة أدبية وفكرية تحررية مجددة كان انتاجها الفكري والأدبي معبرا عن قضايا الشعب وهمومه ومن رموز هذه النهضة الطاهر الحداد وأبو القاسم الشابي وعلي الدوعاجي ومحمد بيرم التونسي...

- كما نشطت الجمعيات الثقافية والأدبية والشبابية وفي مقدمتها جمعيتي قدماء الصادقية والخلدونية وجماعة مقهى تحت السور.

  =>    ظرفية جديدة ساهمت في تنامي الوعي الوطني وفي تطور الحركة الوطنية.

II- تطور الحركة الوطنية في الثلاثينات:

انتعاشة العمل الوطني :انعقاد مؤتمر نهج الجبل ( 1933 ):

انعقد المؤتمر الثاني للحزب الحر الدستوري التونسي بمقره في " نهج الجبل" يومي 12 و13 ماي 1933 وقد عكست جلسات هذا المؤتمر الروح الجديدة التي بدأت تدب في صفوف قيادة الحزب الحر الدستوري والحركة الوطنية عموما:

- فعلى مستوى الهيكلة ضمت اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري جماعة "العمل التونسي وهم أعضاء جدد ينتمون إلى جيل الشباب المتحمس من ذوي الثقافة العصرية وفي مقدمتهم محمود الماطري والحبيب بورقيبة والطاهر صفر والبحري قيقة...

- وعلى المستوى السياسي مثلت مقررات نهج الجبل قطيعة شبه تامة مع البرنامج القديم للحزب فوقع مثلا اسقاط مطلب التشريك وعوّض بمطلب تحرير التونسيين من خلال دستور وبرلمان منتخب.

تأسيس الحزب الحر الدستوري الجديد ونشاطه:

 - بعد انعقاد مؤتمر نهج الجبل طفت على السطح بوادر الانشقاق داخل قيادة الحزب بين الأعضاء القدامى ( أحمد الصافي,أحمد فرحات,محي الدين القليبي) الذين طالبوا بتجنب المواجهة ودعوا إلى التريث وتهدئة الوضع وجماعة "العمل التونسي" الذين دعوا إلى

تشريك الجماهير في النضال وضرورة تصعيده للضغط على فرنسا رغم اتفاق الطرفين على برنامج 1933 (مقررات مؤتمر نهج الجبل) .

- وعندما تعذر الوفاق بين الجماعتين غادرت الجمعية الجديدة اللجنة التنفيذذية وأصبحت تطالب بعقد مؤتمر استثنائي للحزب لحسم الخلاف. وهكذا انعقد مؤتمر قصر هلال يوم 2 مارس 1934 بحضور 43 شعبة دستورية وقرّر:

- حل اللجنة التنفيذية للحزب وتعويضها بديوان سياسي على رأسه محمود الماطري رئيسا و الحبيب بورقيبة كاتبا عاما.

- الدعوة الى تطوير طرق عمل الحزب... وفي المقابل اكتفت اللجنة التنفيذية القديمة بشن حملات صحفية على الجماعة الجديدة كما عبرت عن رفضها لقرارات مؤتمر قصر هلال ونددت به وبمن حضره.

- هكذا انقسم الحزب الحر الدستوري إلى حزبين قديم وجديد,لكن نشاط "الحزب الدستوري الجديد" طغى على الساحة السياسية بفضل التجديد في أساليبه النضالية حتى انتزع "القيادة السياسية للحركة الوطنية" وتحول إلى أهم قوة سياسية في البلاد حتى أنه رفض دعوة الثعالبي إلى توحيد الحزبين اثر عودته من المشرق سنة 1937.. وعلى الجانب المقابل كانت الإقامة العامة تنظر بارتياح إلى الخلاف بين الجماعتين لكن بروز الحزب الجديد وما حمله من تصورات دفعا المقيم العام الجديد المتسلط " مرسال بيروطون" ( 1934 – 1936 ) إلى مزيد تغذية الخلاف بين الحزبين لكن مساعيه لم تنجح حيث استمر النضال وازداد تجذرا فعمل على باعتقال قيادي الحزب ونفيهم إلى برج البوف في الجنوب التونسي ، فإندلعت المظاعرات حتّى اضطرت فرنسا الى اعتماد سياسة اللين من خلال فتح صفحة الحوار مع الحزب الجديد وقد تزامن ذلك مع صعود الجبهة الشعبية إلى السلطة في فرنسا وتعيين مقيم عام جديد في تونس هو أرمون قيون.

إحياء العمل النقابي : جامعة عموم العملة التونسية الثانية:

أ * ظروف نشأتها:

- تدهور أوضاع العمال التونسيين نتيجة التأزم الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن مخلفات أزمة الثلاثينات الاقتصادية العالمية.

- إقرار حرية العمل النقابي بتونس بمقتضى أمر 12 نوفمبر 1932.

- سياسة المقيم العام الجديد "أرمون قيون" التحررية التي تأكدت مع وصول حكومة الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا.

=>   توفرت في صائفة 1936 ظروف ملائمة لتنشيط العمل النقابي فتم الإعلان عن إحياء جامعة عموم العملة التونسية بقيادة " بلقاسم القناوي".

ب * نشاط الجامعة:

- عملت الجامعة على تحسين ظروف العمال التونسيين فطالبت بتمكين العمال التونسيين من التشريعات الاجتماعية التي أقرتها "الجبهة الشعبية" ( أسبوع بـ 40 ساعة عمل, عطل خالصة الأجر...

- نجحت الجامعة في تأطير عمّال القطاعات الاقتصادية والعصرية ودفعهم إلى القيام بإضرابات نذكر من أهمها إضراب عمّال الفسفاط بالمضيلة والمتلوي في مارس 1937.

ج * علاقة الحزب الحر الدستوري الجديد بالجامعة:

- لم يعارض الحزب الدستوري الجديد الجامعة في فترة الحوار مع الجبهة الشعبية غير أنه بدأ يناهض استقلالية الجامعة بعد فشل الحوار مع الجبهة الشعبية وحاجته إلى تعبئة كل القوى الوطنية لتصعيد النضال.

- عمل بلقاسم القناوي على صيانة استقلالية المنظمة فرفض مشاركتها في الإضراب السياسي الذي دعا إليه الحزب احتجاجا على القمع الاستعماري في  الجزائر والمغرب (20 نوفمبر 1937) واستنكر احتواء الحزب الدستوري الجديد للاتحاد النقابي المحلي ببنزرت .

- أقدم الحزب على اقتحام مقر الجامعة أثناء انعقاد مؤتمرها يوم 29 جانفي 1938 فأبعد بلقاسم القناوي وأسس مكتبا جديدا للجامعة برئاسة الهادي نويرة.

الحزب الحر الدستوري الجديد وحكومة الجبهة الشعبية:(1936 – 1938 )

 أ * تجربة الحوار مع حكومة الجبهة الشعبية:

 شهدت سنة 1938 انفراجا سياسيا ملحوظا بسبب الإجراءات التي اتخذها المقيم العام الجديد أرمون قيون ومن بينها:

- الإفراج على زعماء الحزب.

- إقرار حرية الصحافة.

في هذه الظروف استأنف الحزب الجديد نشاطه وأقر جملة من المطالب المعتدلة لعرضها على حكومة الجبهة الشعبية , ولهذا الغرض سافر بورقيبة وسليمان بن سليمان إلى فرنسا حيث استقبلهم "بيار فيانو" والذي وعد الوفد بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

ب* فشل الحوار بين الدستوري الجديد وحكومة الجبهة الشعبية:

توقفت تجربة الحوار مع فرنسا بعد وقت قصير من بدايتها ومن أسباب ذلك :

- عدم جدية الطرف الفرنسي وتراجعه في وعوده الإصلاحية.

- رفض غلاة الاستعمار للإصلاحات حفاظا على مصالحهم وامتيازاتهم.

اتبعت فرنسا سياسة التصلب إزاء الوطنيين فاحتدت العلاقات معها خاصة وقد برز تيار راديكالي داخل الحزب الدستوري الجديد يطالب بمقاطعة فرنسا وطالب بالعصيان المدني والعسكري. لكن الجناح المعتدل بقيادة محمود الماطري تدخل معبرا عن رفضه لهذا النهج الجديد باعتباره "غير واقعي" .

- تكثفت الدعاية الحزبية ومعها القمع الفرنسي الذي طال العشرات من قادة الحزب .

ج – أحداث 9 أفريل 1938:

- نتيجة السياسة الفرنسية القمعية تجاه الحركة الوطنية وقادتها قرر الديوان السياسي إضرابا عاما يوم 8 أفريل 1938 , وانتظمت مظاهرة عارمة قادها المنجي سليم وعلي البلهوان طالبت ببرلمان تونسي وحكومة وطنية وسقوط الامتيازات.

- تمّ اعتقال علي البلهوان يوم 9 أفريل , فاندلعت مواجهات دامية أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى والمعتقلين من بينهم الحبيب بورقيبة.

    =>  نتج عن هذه الأحداث إعلان حالة الحصار وحل الحزب وتعطيل الصحف الوطنية.

الخاتمـــــــــــــــــــــة

بعد هذه الضربة القوية دخلت الحركة الوطنية مرحلة ركود جديدة لكن الحزب الجديد اكتسب قدرا هاما من المرونة السياسية ومن القدرات التعبوية مما سيمكنه لاحقا من تجذير مواقفه خاصة في ظل المتغيرات التي ستحدثها الحرب العالمية الثانية.

 

www.histoir-geo.tw.ma
histoir-geo.tw.ma © 2017.Free Web Site