تونس أثناء الحرب العالميّة الثّانية4 آداب

المحور الأوّل : العالم المعاصر من 1914 إلى 1945                            

   الدرس الثامن : تونس أثناء الحرب العالمية الثانية

المقدمة :تحوّلت تونس إلى ساحة حرب بين قوّات الحلفاء و المحور في إطار " حملة تونس " بين نوفمبر 1942 و ماي 1943  . و تولّدت عن الحرب ظرفية جديدة محليّا و دوليا ساهمت في إنتعاش النضال الوطني بعد الرّكود الذي ميّزه منذ أحداث أفريل 1938 .  فما هي خصائص هذه الظرفية ؟ و ماهي مظاهر انتعاش العمل الوطني ؟

I ) امتداد الحرب إلى تونس و تداعياتها الخطيرة :

1 ) تأثيرات الحرب العالمية الثانية في المجتمع التونسي :  عاشت تونس على وقع الحرب العالمية الثانية بين 1939 و 1945 . و تحوّلت أراضيها منذ 1942 إلى مسرح للصراع ممّا خلّف أثارا مدّمرة على البلاد.

أ ) تحوّل تونس إلى مسرح للحرب العالمية الثانية و تأثيرات ذلك على المجتمع التونسي .

امتدت المعارك بين الحلفاء و المحور إلى تونس، فقد قام الحلفاء بإنزال قواتهم بشمال إفريقيا( المغرب و الجزائر ) في إطار عملية" تورش" ( TORCH ) يوم 8 نوفمبر 1942 لتحرير أوروبا من الجنوب و مع تقدّم الجيش الثامن الأنقليزي بقيادة منتغمري القادم من مصر في ملاحقة لقوات المحور بقيادة الألماني رومل . ردّ  المحور بعملية إنزال عسكرية بتونس للتصدي للجيوش الحليفة.لكن رغم ذلك تمكّنت قوّات الحلفاء من إختراق الجبهة الألمانية الممتدّة من خطّ مارث و إرغام جيوش المحور على الاستسلام بجبهة الوطن القبلي في 12 ماي 1943 .

    => 6 أشهر من المعارك العنيفة خلّفت أضرار جسيمة بالبلاد التونسية .

ب ) مضاعفات الحرب الخطيرة على السكان . 6 أشهر من المعارك العنيفة خلّفت أضرار جسيمة بالبلاد التونسية :

- تدمير البنية التحتية الضعيفة أصلا ( موانئ ، طرقات ، جسور ) و قدّرت قيمة الخسائر بـ45 مليار فرنك

- خلّفت ألاف الضحايا ( قتلى و جرحى ) بالمدن الساحلية خاصة و تشريد 120 ألف شخص و ترحيل 4000 يهودي إلى المحتشدات النازية.

- انهيار الإنتاج الفلاحي  فقد تراجعت المنتجات الفلاحية و خاصة المعاشية منها كالحبوب و زيت الزيتون حيث تقلّص محصول القمح من 4.450 مليون قنطار سنة 139 إلى 1.7 مليون قنطار سنة 1945 و تراجع إنتاج الزيت من 24.3 مليون طن سنة 1940 إلى 9 ملايين طن سنة 1945 . و أدّى ذلك إلى إفلاس الفلاحين و بيع وسائل الإنتاج و اقتلاع الزياتين و بيعها حطبا .

- انهيار الإنتاج الصناعي إذ تراجع النشاط المنجمي حيث انخفض إنتاج الفسفاط من 2.034 مليون طن سنة 1938 إلى 0.335 مليون طن سنة 1943

- تراجع الإنتاج الفلاحي و الصناعي من جهة و تقلص الواردات من جهة ثانية أدى إلى :

- نقص التموين وارتفاع أسعار المواد الأساسية و انتشار السوق السوداء ( فقد تضاعف مؤشّر الأسعار من 100 إلى 429 خلال الفترة ( 1939 – 1944 ) و ازدهرت السوق السّوداء : ( مثلا كلغ الخبز بلغ سعره 50 فرنك بالسوق السّوداء مقابل 5.20 فرنك وفق السعر القانوني)

 - تراجع مؤشر القدرة الشرائية ( مثلا عمّال البناء، تراجع مؤشر قدرتهم الشرائية من 100 سنة 1940 إلى 74 سنة 1944).

- اعتماد الدولة سياسة التقسيط لتزويد المجتمع بالمواد الغذائية الأساسية ( مثال تخصّص 300 غ من الخبز للشخص الواحد في اليوم )

     => مضاعفات خطيرة أدّت إلى تدهور مستوى عيش السكان

2 ) التسلّط الاستعماري

أ ) مع اندلاع الحرب : أقرّت سلط الحماية الأحكام العرفية و ألغت الحرّيات العامّة و ضيّقت الخناق على النشاط الوطني من خلال تشديد الرقابة على الصحف و تعطيل بعضها ( الزهرة ، تونس الفتاة بإدارة رشيد ادريس في 30 أوت 1939 ) و نقل الزعماء الدستوريين المعتقلين إلى سجن سان نيكولا ( مرسيليا ) . كما تمّ تجنيد 46 ألف تونسي بالقوّة و تسخير ألاف العمال بحضائر الجيوش الفرنسية و المحورية ( منهم 5 ألاف من اليهود ) وهو ما أدّى إلى بروز حركة عصيان في صفوف الجنود التونسيين ( بالقيروان مثلا في سبتمبر 1939 )

ب ) بعد طرد المحور :  عمدت سلطات الحماية إلى الانتقام من الأهالي لتعاطفهم مع الألمان ، فزجّت بأكثر من 10 ألاف شخص بالسجون و المحتشدات بتهمة التعاون مع قوات المحور و هي التهمة التي وجّهتها إلى المصف باي فعزلته عن العرش و نفته.

أثارت السيّاسة الاستفزازية احتجاجات واسعة و حركات تمرّد في بعض الجهات ( تمرّد المرازيق ( 1942 – 1943 ) - رأس الجبل و رفراف (جويلية – أوت 1944) ، فلاقة زرمدين (جوان 1946 ) )

II )المعطيات السياسية الجديدة

1 ) انكسار فرنسا و تراجع نفوذها الاستعماري :

أ ) انكسار فرنسا :  يتضح ذلك من خلال :

- انهزام فرنسا أمام ألمانيا و احتلال 3/2 أراضيها  و خضوعها للاحتلال الألماني خلال الحرب بين 1940 و 1944 .

-  انقسام الرأي العام الألماني بين موالي لحكومة " فيشي" ( جنوب فرنسا ) برئاسة المريشال بيتان المتعاونة مع ألمانيا و حكومة "فرنسا الحرّة " ( في المهجر بلندن ) برئاسة الجنرال دي غول الموالي للحلفاء و الذي كوّن قوات فرنسا الحرّة و واصل الكفاح ضد النازيين.

ب ) فقدان فرنسا هيبتها و إشعاعها الدولي :

- سيطرة المحور على بعض مستعمراتها مثل تونس و تكوين لجان ألمانية إيطالية في المستعمرات الفرنسية لتسيير الشؤون العسكرية و الاقتصادية .

- تكثّف الدعاية الألمانية ضدّ الاستعمار الفرنسي ( من خلال إذاعة برلين الناطقة بالعربية مثلا ) بتقديم الوعود بالحرية و الاستقلال للشعوب المغاربية

- منح الوطنيين حريّة النّشاط و إطلاق سراح الزعماء المعتقلين إثر دخول قوات المحور ( المسجونين بتونس قي ديسمبر 1942 ، و بفرنسا في 25 فيفري 1943 ثمّ الحبيب بورقيبة في 8 أفريل 1943 )

- ضغط الولايات المتحدة الأمريكية على فرنسا بعد طرد قوات المحور لتعديل سياستها القمعية ضدّ الأهالي : أغلقت المحتشدات ( في خريف 1943 ) و أطلقت سراح بعض الدستوريين المعتقلين بالجزائر و رفع الحظر عن الصحف .

      => لكن رغم اهتزاز صورة فرنسا و فقدانها لهيبتها و تلاشي نفوذها لدى شعوب المستعمرات . فقد حذّر الزعماء الوطنيون خاصّة الحبيب بورقيبة و عبد العزيز الثعالبي من خطورة التعاطف مع المحور و هي التهمة التي وجّهت لملك تونس المنصف باي .

2 ) المنصف باي و المصالحة بين العرش و الشعب                                       

- تزامن انكسار فرنسا مع صعود المنصف باي إلى العرش  في 19 جوان 1942 و هو المعروف بتواضعه و حرصه على تمتين العلاقة بالرعيّة ( فتح قصره لاستقبال الناس و للاستماع لمشاغلهم ، كثّف زياراته للأسواق و المؤسسات ،  و منع تقبيل يده ... ) و بوطنيته.

فبعد أن كانت العلاقة بين الأهالي و العرش الحسيني مهتزّة بسبب اتّهام بايات تونس بالتفريط في استقلال البلاد لقاء حماية سلطانهم . تغيّرت مع صعود المنصف باي إلى العرش و ذلك بسبب:

* سعيه إلى إحياء السلطة التونسية أمام الإقامة العامة عبر إنشاء مجلس للشورى يتركّب من مستشارين مخلصين للبتّ في القوانين التي تعرضها عليه الإدارة الفرنسية .

* إبدائه التعاطف مع الحركة الوطنية ومطالبته بإطلاق سراح المعتقلين

* تبنيه مطالب الحركة الوطنية و توجيه مذكّرة في شأنها إلى حكومة فيشي بفرنسا ( 2 أوت 1942 ).

*إقدامه على تشكيل حكومة وطنية ( في 1 جانفي 1943 ) برئاسة محمّد شنيق و تضمّ وزراء من الحزبين الدستوريين القديم ( صالح فرحات وزيرا للعدل ) و الجديد ( محمود الماطري وزيرا للداخلية ) و قد منحت الموظّفين التونسيين منحة " الثلث الاستعماري "

* التزامه الحياد تجاه القوى المتحاربة رغم إغراءات المحور له. و رفضه أمر حكومة " فيشي" بمعادة الحلفاء و أبلغه موقفه إلى الرئيس الأمريكي روزفلت و إلى المستشار الألماني هتلر ( في 12 نوفمبر 1942 )

      => كان المنصف باي بايا وطنيا أظهر قدرا كبيرا من الاستقلالية و عمل على إثبات السلطة التونسية لذلك عزل بالقوة بتهمة التعاون مع المحور في 14 ماي 1943 و نفي إلى مدينة الأغواط بالصحراء الجزائرية حيث أجبر على التخلّي عن العرش في 6 جويلية 1943 قبل أن ينتقل إلى شمال الجزائر ثمّ إلى مدينة "بو" ( جنوب فرنسا ) حيث ظلّ في إقامة جبرية إلى غاية وفاته في 1 سبتمبر 1948 .

III  ) الحركة الوطنية أثناء الحرب العالمية الثانية :

1 ) انتعاش العمل الوطني:  

- تحت تأثير انكسار فرنسا و بفضل المنصف باي انتعش العمل الوطني و تجلّى ذلك في :

- خرج العمل الوطني إلى العلنية مع تولّي المنصف باي العرش في 19 جوان 1942 و دخول جيوش المحور إلى البلاد ( نوفمبر 1942 ) و إطلاق سراح القيادات الدستورية المعتقلة بتونس في ديسمبر 1942 ( الحبيب ثامر ، رشيد إدريس ، الهادي ألسعيدي ... ) بعد أن اتخذ منذ أفريل 1938 طابعا سريّا من خلال المناشير و تركّز حول المطالبة بإطلاق سراح الوطنيين و القيام ببعض العمليات التخريبية للمصالح و إعادة تشكيل هياكل الحزب كلّما عملت فرنسا على حلّها ( 4 دواوين سياسية للحزب الدستوري الجديد بين 1939 و 1942 )

- تأسيس عدّة جمعيات مثل  " كشّاف تونس " " الهلال الأحمر التونسي "

- صدور عدّة صحف جديدة مثل " إفريقيا الفتاة " ( جانفي 1943 – 4 ماي 1943 ) و قد حمل عددها الأول صورة الملك منصف باي و الزعيم الحبيب بورقيبة و " الشباب " ( 23 فيفري 1943 ) و التي أعلنت في عددها التاسع أنّ أهداف الشعب التونسي الاستقلال.

- انساق البعض من التونسيين و الدستوريين وراء الدعاية الألمانية . فبعد مغادرتهم تونس ، أسّس رشيد إدريس و حسين التركي مكتب المغرب العربي ببرلين ( 21 جويلية 1943 ) و التحق بهم الحبيب ثامر و الهادي ألسعيدي و يوسف الرويمي . و تمكّنوا من ربط علاقات مع شخصيات عربية مقرّبة من المحور مثل المفتي الفلسطيني الحاج أمين الحسيني ببرلين .

لكنّ العديد من الزعماء و خاصّة بورقيبة و الثعالبي حذّروا من زيف وعود المحور و دعوا إلى الوقوف مع الحلفاء حتّى تكون القضية التونسية في صفّ المنتصرين لأنّ ألمانيا خاسرة لا محالة .

2 ) تكتّل القوى الوطنية :

- بفضل مواقفه الوطنية، أصبح المنصف باي رمزا للسيادة التونسية واثر عزله في ماي 1943  شهد العمل الوطني تحوّلا نوعيا في اتجاه مزيد التجذّر و تجلّى ذلك من خلال :  

- تجاوز الحركة الوطنية لانقساماتها السابقة  تدرجها نحو التكتل و إجماع الوطنيين من الحزبين الدستوريين القديم و الجديد على المطالبة بعودة الباي الشرعي للحكم في إطار ما عرف بـ " الحركة المنصفية ".التي شكّلت  منطلقا لقيام "الجبهة الوطنية "( في 22 فيفري 1945 ) التي جمعت كلّ التيّارات و القوى الوطنية التونسية  و أجمعت على المطالبة بالحكم الذاتي و إقامة نظام ملكي دستوري و عبّرت في مظاهرات 8 ماي 1945 بمناسبة نهاية الحرب العالمية الثانية على استعداد التونسيين للانخراط في النّضال الوطني من أجل تحقيق الاستقلال

          => مهّد ذلك لطرح مطلب الاستقلال في مؤتمر ليلة القدر لاحقا ( في أوت 1946 )

خاتمة :  ساهمت الحرب العالمية الثانية في توسيع دعائم الحركة الوطنية و توحيد فصائله . و قد اكتسبت قدرات تأطيرية و تعبوية ستوظفها في تصعيد النّضال ضدّ الاستعمار و و تجذيره عبر المطالبة بالاستقلال