العلاقات الدولية : من الحرب الباردة إلى اهيار الاتّحاد السّوفياتي4 أداب

 الدرس الأوّل : العلاقات الدولية : من الحرب الباردة إلى اهيار الاتّحاد السّوفياتي

المقدمة :

تميزت العلاقات الدولية بين 1947 و 1991 بهيمنة قطبين على العلاقات الدولية : الولايات المتحدة الامريكية و الإتحاد السوفيتي. و قد كانت العلاقات بينهما متوترة و تشهد ازمات عديدة حبس فيها العالم أنفاسه مرات عديدة.

- كيف تشكلت الثنائية القطبية بعد الحرب العالمية الثانية و ماهي مظاهرها؟

- ماهي أهم ازمات الحرب الباردة و كيف إنعكست على العلاقات الدولية؟

- كيف تطورت العلاقات الدولية الى التعايش السلمي و الانفراج بين القطبين و كيف إنهار الإتحاد السوفيتي؟

I-ظروف نشاة القطبية الثنائية و مظاهرها:

1- من التحالف الكبير الى القطيعة بين العملاقين:

- كانت الولايات المتحدة الامريكية و الإتحاد السوفياتي حليفتين أثناء الحرب العالمية الثانية و تدعم هذا التحالف في مؤتمر يالطا (فيفري 1945) و الذي إتفق فيه الثلاثة الكبار (إنقلترا و الولايات المتحدة الامريكية و الإتحاد السوفيتي على السياسة المتبعة حيال المانيا و على تاسيس منظمة الامم المتحدة.

 - بدات القطيعة بين الطرفين حين اقدم الإتحاد السوفيتي على بعث أنظمة شيوعية موالية له في اغلب بلدان اروبا الشرقية و إقصاء الاحزاب اليبرالية عن السلطة ( و في الواقع فإن بوادر التنافس بين الطرفين كانت بذوره قد بدات حين كان الطرفان يتنافسان لاحتلال ألمانيا و عاصمتها برلين)

- هذه السياسة أثارت إحترازات الرئيس الامريكي ترومان في ندوة بوتسدام  1945 و تشرتشل الذي تحدث عن ستار الحديدي أنزله السوفيت بين اروبا الشرقية ذات الانظمة الشمولية و أروبا الغربية ذات الانظمة الحرة مما اعتبره خرقا لندوة يالطا لمبدا "بعث مؤسسات ديمقراطية من إختيارها.

=> عمل ترومان على تبني سياسة الإحتواء و منع إنتشار الشيوعية باستقطاب أكثر ما يمكن من الدول و نشر النظام الديمقراطي الرأسمالي عن طريق الإعانات و المساعدات مثل مخطط مارشال الذي طبق بين 1948 و 1952 ضمن منظمة التعاون و التنمية الإقتصادية.

- رد الإتحاد السوفيتي بنظرية جدانوف الذي اعلن في سبتمبر 1947 أن العالم قد إنقسم الى كتلتين : كتلة شرقية و كتلة غربية كما عمل الاتحاد السوفيتي على بعث الكومنفورم او مكتب الإعلام الشيوعي الذي عمل على توحيد مواقف الأحزاب الشيوعية في العالم لمواجهة الإمبريالية الأمريكية كما دعم إنقلاب براغ 1948 الذي قام به الشيوعيون في تشيكوسلوفاكيا.

2- مظاهر الثنائية القطبية:

- عمل الإتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة الامريكية على كسب انصار و اكتسى هذا التسابق المحموم بأبعاد مختلفة:

البعد الإيديولوجي : الولايات المتحدة تدافع عن الحريات و "العالم الحر" و تدعو الى بعث انظمة برلمانية بينما الإتحاد السوفيتي يدافع عن الماركسية و يدعو للمساواة و "الأغلبية الكادحة" ضد هيمنة الاغنياء" => انقسمت اوربا الى كتلتين شرقية و غربية

البعد الإقتصادي : قدمت الولايات المتحدة الامريكية مساعدات في إطار مخطط مارشال بقيمة 13 مليار دولار لحلفائها الرأسماليين في اروبا بينما أنشأ الإتحاد السوفيتي "الكوميكون" أي مجلس التعاون الاقتصادي الذي ضم اروبا الشرقية و هو يهدف لتحسين الوضع الاقتصادي للدول الاشتراكية.

البعد العسكري : عمل كل قطب على بعث أحلاف عسكرية من بينها حلف شمال الأطلسي NATO ( و أحلاف اخرى ) تتزعمها الولايات المتحدة الامريكية و من جهة اخرى حلف فرصوفيا الذي ضم بلدان أروبا الشرقية و الإتحاد السوفيتي (تدعمت الكتلة الشرقية بانظمام الصين الشعبية بعد وصول الحزب الشيوعي للحكم بقيادة ماوتسي تونغ سنة 1949)

II- العلاقات الدولية من 1947 الى 196:

1- الأزمات الكبرى للحر ب الباردة:

- بدان هذه الازمات من اروبا ثم إمتدت الى مناطق اخرى من العالم:

أ- أزمتا برلين:

أزمة برلين الاولى (1948-1949) : كان الخلاف قائما بين الإتحاد السوفيتي و الدول الغربية حول طبيعة النظام السياسي الذي يجب وضعه بعد سقوط النازية و تدعم هذا الخلاف بالإصلاح النقدي و بعث المارك الالماني بالجزء الغربي من المانيا ( ثم في مرحلة ثانية يتم تداوله في الجزء الشرقي الخاضع للسوفيت ) و ذلك دون إستشارة الروس => رد الروس بحصار بري على برلين الغربية فأقامت الولايات المتحدة جسر جوي لتزويد السكان بكل الحاجيات و فشل الحصار الروسي => نتج عن هذه الازمة إنقسام ألمانيا الى دولتين : جمهورية ألمانيا الإتحادية الراسمالية (ماي 1949) و جمهورية ألمانيا الديمقراطية الإشتراكية ( أكتوبر 1949)

أزمة برلين الثانية 1961 : بدات الازمة عندما قامت حكومة ألمانيا الشرقية ( بإيعاز من الإتحاد السوفيتي ) ببناء جدار برلين للحد من هجرة سكان ألمانيا الشرقية الى الجزء الغربي و واجه هذا الإجراء انتقادا من الغربيين و الامريكين

ب- الحرب الكورية 1950-1953:

- تعرضت كوريا أثناء الحرب العالمية الثانية الى تدخل سوفياتي و امريكي و بنهاية الحرب انقسمت كوريا الى دولتين : كوريا الشمالية الشيوعية و كوريا الجنوبية الليبرالية.

- في 1950 هاجمت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية بهدف التوحيد : ندد مجلس الامن بهذا العمل و ارسل قوات عسكرية ( اغلبها امريكية ) لتحرير كوريا الجنوبية و عملت هذه القوات على اجتياح كوريا الشمالية بعد ذلك فدعم الإتحاد السوفيتي و الصين بالأسلحة و الجنود فهدد الأمريكان باستخدام السلاح النووي ضد الصين.

- انتهى الامر بهدنة بان مون جوم في 1953

=> أظهرت الحرب الكورية امتداد الحرب الباردة الى آسيا و امتداد سياسة الاحتواء الامريكية الى الحدود الجنوبية للصين و الإتحاد السوفيتي.

2- التعايش السلمي و دوافعه :

- بعد وفاة ستالين سنة 1953 دعا خليفته خروتشوف الى تعايش سلمي بين الطرفين و تجنب حرب نووية و قد رحب الرئيس كينيدي بهذه الدعوة و دعا الى ضرورة التعاون بين البلدين في المجالات الإقتصادية و الثقافية و العلمية.

- هذا التعايش السلمي كان له اسباب أخرى حيث توترت علاقة الإتحاد السوفيتي بالصين التي اعتبرت خروتشوف حاد عن مبادئ لينين عندما دعا للتعايش السلمي كما ان فرنسا عملت على تطوير قدراتها النووية. الى جانب ذلك فقد كان هذا التسلح مكلفا جدا بالنسبة للطرفين... الى جانب اسباب اخرى منها السبق الذي حققه الإتحاد السوفيتي حيث طور صواريخ طويلة المدى قادرة على ضرب الولايات المتحدة الامريكية من الأراضي السوفيتية و كذلك حقق تقدما في ميدان الفضاء بإطلاق أول قمر صناعي => كل هذا دفع الى التعاون السلمي بين العملاقين

III- العلاقات الدولية من 1962 الى 1991:

1- مظاهر الانفراج :

أ- على المستوى الدبلوماسي :

- يظهر هذا الانفراج في اعتراف المانيا الغربية بألمانيا الديمقراطية في إطار سياسة التشريق التي اتبعتها المانيا الغربية بزعامة ويلي برندات في إطار تحسين علاقاتهما بالإتحاد السوفيتي و نتج عن ذلك قبول عضوية الألمانيتين في الأمم المتحدة سنة 1973.

- كما يظهر الانفراج أيضا في تبني الولايات المتحدة الامريكية الدبلوماسية المثلثة تجاه الدول الشيوعية و اعترافها بالصين التي انضمت بعد ذلك لمنظمة الأمم المتحدة  سنة 1971.

ب- على  الصعيد العسكري :

- عملت الولايات المتحدة الامريكية و الإتحاد السوفيتي على الحد من سباق التسلح و ذلك بإمضاء اتفاقية عدم انتشار الاسلحة النووية و اتفاقية سالت 1 (محادثات الحد من الاسلحة الاستراتيجية ). و تهدف هذه الإتفاقيات الى منع التجارب النووية و الحد من امتلاك الصواريخ البالستية و الغواصات القاذفة للصواريخ...

ج- على الصعيد العلمي و الثقافي :

- يظهر التعاون بين العملاقين خاصة في مجال الفضاء من خلال تبادل المعلومات و البحوث و خاصة التحام المركبة الفضائية سويوز بالمركبة الفضائية الامريكية أبولو ( 1975 ).

- كما يظهر أيضا في مؤتمر هلسنكي ( فنلندا ) حول الامن و التعاون بأروبا و حضره العملاقين ( يضم 35 دولة ) و نص على الاحترام المتبادل للسيادة الترابية و السياسية لكل الدول و عدم اللجوء للقوة.

د - على المستوى الإقتصادي :

- قبول الولايات المتحدة الامريكية تزويد الإتحاد السوفيتي بالحبوب و معدات التكنولوجيا المتطورة : سوق شاسعة تنفتح امام الولايات المتحدة الامريكية.

2- النزاعات الطرفية و عودة التوتر :

أ- ربيع براغ 1968 ( او ربيع التحرر ) :           

- عملت تشيكوسلوفاكيا على انتهاج سياسة ليبرالية نسبيا " اشتراكية ذات وجه إنساني " لكن الإتحاد السوفيتي رفض هذا التوجه ( و برزت في هذا الإطار نظرية بريجينيف التي تحد من سياسة دول أروبا الشرقية ) و قد تدخلت قوات حلف فرصوفيا لإنهاء ربيع براغ و إعادة البلاد الى النهج الشيوعي بالقوة.

ب- حرب فيتنام (الجنوبية ) : 1963-1973 :

- عمل الشيوعيون المحليون "الفيتكونغ" ( بمساندة فيتنام الشمالية الشيوعية و الإتحاد السوفيتي ) على توحيد بلادهم ( فيتنام الجنوبية ) مع فيتنام الشمالية تحت الراية الشيوعية   => تدخلت الولايات المتحدة الامريكية عسكريا بنجدة حليفتها الجنوبية لكنها فشلت في صد الشيوعيين و اجبرت على الإنسحاب بعد معارضة شديدة من الرأي العام العالمي و الامريكي : أول هزيمة للولايات المتحدة الامريكية في تاريخها.

 => تم توحيد فيتنام سنة 1975 تحت الراية الشيوعية كما ان اللاوس و كمبوديا أصبحا شيوعيين.

ج- توسع النفوذ السوفيتي في أمريكا اللاتينية و افريقيا :

- عمل الاتحاد السوفيتي على تدعيم الماركسيين الذين خاضوا حروب عصابات للسيطرة على أنظمتهم ( المتحالفة مع الولايات المتحدة الامريكية ) في أمريكا اللاتينية و قد نجح الصندينيون في بعث نظام شيوعي في نيكاراجوا سنة 1979 و لم يستطع الامريكيون إسقاطه.

- كما امتد النفوذ السوفيتي في إفريقيا لدعم حركات التحرر الماركسية في أنغولا و الموزمبيق و اثيوبيا التي اقامت نظام شيوعي سنة 1974.

د - الغزو السوفيتي لأفغانستان : 1979-1989 :

- تدخل السوفيات في أفغانستان سنة 1979 لنجدة النظام الشيوعي الذي اصبح مهددا من قبل المجاهدين الافغان مما اثار مخاوف الولايات المتحدة الامريكية حول منطقة الخليج التي ستصبح في مرمى النفوذ السوفيتي       

=> الولايات المتحدة الامريكية ترفض تزويد الإتحاد السوفيتي بالحبوب و تقاطع الألعاب الاولمبية المقامة في موسكو ( 1980 ) و ترفض التوقيع على اتفاقية سالت 2  كما تدعم المجاهدين الأفغان بالسلاح ( صواريخ ستينغر ) و نتج عن ذلك إنسحاب الإتحاد السوفيتي من افغانستان سنة 1989 في عهد غورباتشوف بعد تكبد خسائر ضخمة.

هـ - أزمة الصواريخ الاروبية :

- نتجت هذه الازمة عندما قام الإتحاد السوفيتي بنشر صواريخ SS20 ( متوسطة المدى ) في أوربا الشرقية و رفض سحبها فقامت الولايات المتحدة الامريكية بنشر صواريخ BRESHNIG 2 في أروبا الغربية ( رغم معارضة الرأي العام الأروبي ) كما عمل ريغن على مشروع مبادرة الدفاع الإسترتيجية أو حرب النجوم و تتمثل في تزويد الولايات المتحدة الامريكية بدرع صاروخي قادر على إعتراض الصواريخ المعادية ( بواسطة الأقمار الصناعية ).

3- تصدع الكتلة الإشتراكية الاروبية و انهيار الإتحاد السوفيتي :

أ- إنهيار الأنظمة الشيوعية في أروبا الشرقية :

- بدأ هذا الإنهيار مع بولونيا حيث عملت المعارضة بقيادة لاش فاليزا على إجبار الشيوعيين على تنظيم انتخابات حرة فازت بها سنة 1990 ( و ياتي ذلك في ظل تفاقم الأزمة الإقتصادية و الإجتماعية للإتحاد السوفيتي و بعد إعلان غورباتشوف عدم تدخل البلاد عسكريا إذا تعرض بلد إشتراكي أروبي لتهديد داخلي او خارجي ).

 => إنسلاخ بولونيا عن الإتحاد السوفيتي ثم المجر ( في نفس السنة ) حيث طالبت التحركات الشعبية بفتح الحدود مع النمسا و اصبح سكان ألمانيا الشرقية يهاجرون الى ألمانيا الغربية عبر المجر و النمسا فتم إزاحة هذا الجدار ( بعد ان فقد مفعوله ) و توحدت ألمانيا الشرقية مع الغربية كما إنسلخت بلغاريا و تشيكوسلوفاكيا و رومانيا عن الإتحاد السوفيتي.

ب- إنهيار الإتحاد السوفيتي :

- عمل غورباتشوف الذي وصل الى السلطة سنة 1985 على القيام بإصلاحات هيكلية عبر سياسة البروسترويكا و سياسة الغلاسنوست ( إعتماد الشفافية ) و هي إصلاحات تقوم على تشجيع المبادرة الفردية و تحسين الوضع الإقتصادي للسكان ( خاصة بعد ان اصبح الفرق واضح مع مستوى عيش سكان البلدان الرأسمالية ) كما عمل غورباتشوف على العودة الى سياسة الإنفراج مع الولايات المتحدة الامريكية حيث سحب الجيوش السوفيتية من افغانستان و سحب صواريخ SS20من أروبا و وقع إتفاقية STAR 1( للحد من الأسلحة النووية ).

- لم تنجح هذه السياسة التحررية لغورباتشوف فقد إستغلتها البلدان الإشتراكية الاروبية للإنسحاب من الإتحاد السوفيتي و اصطدمت بالمعارضة الداخلية للمحافظين => غورباتشوف يعلن إستقالته من رئاسة الإتحاد السوفيتي يوم 25 ديسمبر 1991.

- هذا الإتحاد فقد معناه خاصة بعد استقلال جمهورية روسيا الإتحادية بزعامة يلتسين => إنهيار الإتحاد السوفيتي و نهاية الحرب الباردة و نظام الثنائية القطبية.

خاتمة: بسقوط الإتحاد السوفيتي تنتهي الحرب الباردة التي لم تتحول الى حرب مباشرة بسبب توازن الرعب النووي و تنتهي الثنائية القطبية لتبقى الولايات المتحدة الامريكية القطب الاوحد في العالم.