تونس من 1945 إلى 1956 : المسيرة نحو الاستقلال4 آداب

المحور الرّابع : تحرّر الشّعوب المستعمرة

 الدرس الرّابع : تونس من 1945 إلى 1956 : المسيرة نحو الاستقلال

 

مقدمة الدرس

انبثقت عن الحرب العالمية الثانية ظرفية ملائمة لتكثيف العمل الوطني في فترة تعمقت فيها أزمة المستعمر وشهد المجتمع التونسي تحولات هامة وعرفت الحركة الوطنية مرحلة من النضج دفعتها إلى "بلورة المشروع الوطني" لانتزاع الاستقلال.

فماهي الظروف التي ساهمت في تكثيف العمل الوطني؟ وماهي مظاهر نضج النضال الوطني في هذه الفترة؟ وماهي حصيلة هذا النضال ؟

Iأزمة النظام الاستعماري وتحولات المجتمع التونسي:

استفحال أزمة الاستعمار الفرنسي:

أ ) عزلة النظام الاستعماري الفرنسي:

ساهمت الظرفية الجديدة المتولدة عن الحرب الثانية في إضعاف النظام الاستعماري التقليدي وبروز تيار دولي مساند لحركات التحرر تمثل في:

- موقف كل من الو.م.أ والاتحاد السوفياتي المعارض للاستعمار التقليدي .

- موقف منظمة الأمم المتحدة والتي أكدت في ميثاقها على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

- فقدت فرنسا نفوذها لفائدة العملاقان وعلى عكس بريطانيا رفضت التخلي على مستعمراتها ولم ولم تعترف باستقلال سوريا ولبنان إلا بضغط أمريكي انقليزي.

- حاولت الالتفاف على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها بمشروع "الاتحاد الفرنسي" غير أن الإصلاحات التي قامت بها لم تكن مجدية حيث:

 - لم تنجح الإصلاحات الشكلية التي قام بها "الجنرال ماست" في سبتمبر 1945 التي تسوي التونسيين بالفرنسيين في المجلس الكبير والمجالس البلدية والحكومة.

 - فشلت تجربة المفاوضات مع حكومة شنيق للسير بتونس نحو الحكم الذاتي بسبب معارضة المتفوقين وانتهت بمذكرة 15 ديسمبر 1951 التي تتمسك فيها فرنسا بازدواجية السيادة.

=>           رفض الوطنيون التونسيون هذه الإصلاحات الشكلية باعتبارها لا تستجيب لطموحاتهم .

ب ) تفاقم الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية:

احتدت الأزمة الاقتصادية بسبب تأثير الحرب وتبعية الاقتصاد التونسي للاقتصاد الفرنسي وتأثير العوامل الطبيعية ومن مظاهرها:

- انهيار الانتاج الفلاحي بسبب تتالي سنوات الجفاف.

- تفاقم أزمة الصناعات التقليدية نتيجة غزو البضائع الأوروبية للأسواق الداخلية.

- تفاقم عجز الميزان التجاري مع فرنسا وتراكم الديون.

=>        وضعية اقتصادية صعبة كانت لها انعكاسات سلبية على المجتمع التونسي ومنها:

- العجز عن تلبية الحاجيات الأساسية للسكان مما تسبب في انتشار المجاعات.

- تفاقم البطالة وتزايد النزوح الريفي وانتشار الأحياء القصديرية حول المدن.

- احتداد الفوارق بين التونسيين والفرنسيين في كل المجالات.

=>        ساهمت هذه التناقضات في تنامي الوعي الوطني لدى التونسيين وانخراطهم في العمل الوطني.

  تحولات المجتمع التونسي وتزايد الانخراط في العمل الوطني:

أ ) تحولات المجتمع التونسي:

* على المستوى البشري:

- أدت بوادر الانفجار الديمغرافي إلى تنامي عدد التونسيين في كل المواقع والمهن.

- نجحت المنظمات الوطنية في استقطاب وتأطير كل فئات المجتمع التونسي مثل الاتحاد النسائي الاسلامي والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة وخاصّة الاتحاد التونسي للشغل (جانفي 1946) الذي لعب دورا أساسيا في التحرير الاجتماعي والنضال السياسي بقيادة فرحات حشّاد.

* على المستوى الفكري:

- تنامى الوعي الوطني بفضل تزايد عدد المثقفين والنوادي الأدبية والفرق المسرحية والمجلات والصحف الوطنية (الحرية,الرسالة,المباحث...)

- حاول رجال الفكر ( المسعدي,محمد الطاهر بن عاشور) تجديد التراث والتوفيق بين الأصالة والحداثة ورسم الملامح السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتونس المستقلة.

ب * تعبئة القوى الوطنية ضد الاستعمار:

- اتسعت القاعدة الشعبية للحزب الدستوري الجديد الذي استعاد نشاطه بقوة فارتفع عدد شعبه إلى 400 شعبة وعدد منخرطيه إلى أكثر من 200ألف منخرط سنة 1950.

- نجح الحزب الحر الدستوري الجديد في استقطاب جل الوطنيين والمنظمات الوطنية التي ساندت نضاله برفضها لمشروع "الاتحاد الفرنسي" والاصلاحات الشكلية وتعبئة كل الفئات لفائدة الحركة الوطنية.

- قام الحزب القديم بدور هام في تنظيم الحركة المنصفية وتأطير نضالات الزيتونيين وتأسيس الجبهة الشعبية رغم تقلص نفوذه.

- انخرطت التنظيمات والجمعيات في النضال الوطني السياسي رغم الطابع المهني لمطالبها ومن بين هذه التنظيمات : الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي تأسس سنة 1948 والاتحاد العام للفلاحة التونسية (1949) وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسسه كل من فرحات حشاد والحبيب عاشور في جانفي 1946 .

=>        وفر الالتحام بين مختلف الشرائح الاجتماعية طاقات جديدة ساهمت في دعم النضال من أجل الاستقلال.

II- تبلور "المشروع الوطني" وتظافر القوى الوطنية من أجل الاستقلال:

تبلور "المشروع الوطني" لتونس المستقلة:

- رسم رجال الفكر المشروع الوطني لتونس المستقلة من خلال إبراز مقوماتها العربية الإسلامية والتأكيد على الوحدة الوطنية في إطار نظام دستوري ديمقراطي يكفل الحريات العامة ويضمن الرقي الاجتماعي من خلال مجانية الصحة والتعليم.

- تبلور مطلب الاستقلال من خلال رفض مبدأ ازدواجية السيادة وتأكيد الحزب الدستوري الجديد على ضرورة إلغاء نظام الحماية وتحقيق الاستقلال بكل الوسائل.

تكثيف العمل الوطني:

 أ ) تكتل القوى الوطنية في الداخل:

- في 23 أوت 1946 انعقد "مؤتمر ليلة القدر" بتونس العاصمة بمشاركة كل القوى الوطنية من أحزاب ونقابات ومنظمات وجمعيات.

- أجمع الحاضرون لأوّل مرة على المطالبة بالاستقلال ووضع حد لنظام الحماية ورفض كل الإصلاحات الإدماجية التي تكرس مبدأ السيادة المزدوجة.

- خاضت القوى الوطنية نضالات عديدة وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي

شارك في الإضراب السياسي العام يوم 30 أوت 1946 للمطالبة بالإفراج عن الوطنيين المعتقلين اثر انعقاد المؤتمر وتضمنت اللائحة الصادرة عن مؤتمره المنعقد في أفريل 1949 مطالب الحركة الوطنية المتمثلة في حل المجلس الكبير وتعويضه بمجلس وطني منتخب وتكوين وزارة تونسية حقيقية وإصدار قانون للوظيفة العمومية وتأميم الشركات الكبرى إلى جانب المطالبة بتحسين أوضاع العمال التونسيين واحترام الحريات النقابية وإجبارية التعليم.

- ساهمت المنظمات الوطنية في دعم النضال الوطني عن طريق المظاهرات والإضرابات التي وظفتها لخدمة معركة التحرير الوطني مثل إضرابات أعمال في المدن( صفاقس أوت 1947) والأرياف (النفيضة , نوفمبر 1951).

ب ) تدويل القضية التونسية في الخارج:

- سعى الوطنيون إلى تدويل القضية الوطنية وإخراجها من نطاق العلاقات الثنائيةالفرنسية التونسية، خاصة بعد تأسيس جامعة الدول العربية (22 مارس 1945) فقررالديوان السياسي إيفاد الحبيب بورقيبةإلى مصر(26 مارس 1945) للتعريفبالمسألة التونسية.

- زار بورقيبة الو.م.أ في صائفة 1951 للضغط على فرنسا وكسب التأييد الأمريكي للقضية التونسية وقد لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دورا كبيرا عندما انسحب من الجامعة النقابية العالمية ذات النزعة الشيوعية وانخرط في الجامعة العالمية للنقابات الحرة الموالية للمعسكر الغربي .

ج ) التجربة الثانية للتفاوض مع فرنسا:

 - في أفريل 1950 وفي باريس أعلن بورقيبة عن برنامجه ذي الـ 7 نقاط الذي اكتفى فيه بالمطالبة بالاستقلال الداخلي, وتجاوبت الحكومة الفرنسية مع هذا البرنامج وعيّنت "بيريليي" مقيما عاما جديدا مهمته تحقيق الحكم الذاتي لتونس تدريجيا , ولنفس الغرض تكونت حكومة تونسية تفاوضية برئاسة محمد شنيق ومشاركة صالح بن سوسف عن الحزب الدستوري الجديد.

- فشلت المفاوضات بسبب معارضة غلاة الاستعمار من المتفوقين وأصدرت فرنسا مذكرة 15 ديسمبر 1951 التي تمسكت فيها بالسيادة المزدوجة.

 

        تمكنت الحركة الوطنية باعتماد سياسة المراحل من توسيع حضورها في الداخل والخارج لكن فشل المفاوضات مع فرنسا سيدفعها إلى تجديد وسائل نضالها.

III- اندلاع الثورة والظفر بالاستقلال:

القمع الاستعماري:

- بعد فشل المفاوضات وتمسك الوطنيين بمطلب الاستقلال الداخلي عينت فرنسا مقيما عاما جديدا "دي هوت كلوك" الذي واجه مطلب الحركة الوطنية بحملة شديدة من القمع من خلال عدد من زعماء الحزب الدستوري الجديد ونفيهم إلى طبرقة ثم جالطة (بورقيبة, المنجي سليم) ورد على احتجاجات الجماهير بحملة تمشيط عنيفة واعتداء على الحرمات.

- شاركت منظمات المتفوقين الارهابية في القمع فاغتالت "اليد الحمراء" فرحات حشاد  في 5 ديسمبر 1952 والهادي شاكر 13 سبتمبر 1953.

تصعيد وتنوع أشكال النضال:

- رد الوطنيون الفعل بتكثيف المظاهرات والإضرابات ومقاطعة المصالح الفرنسية.

- برزت بين 1952 و 1954 حركة مقاومة مسلحة (حوالي 3000 رجل) في شكل مجموعات صغيرة (الفلاقة) خاضت عدة معارك ضد الأهداف الاستعمارية ومن أبرز قادتها نذكر الساسي الأسود, الأزهر الشرايطي,المحجوب بن علي...

- في الخارج نجح الوطنيون في تدويل المسألة التونسية من خلال دعوة الأمم المتحدة الطرفين الى التفاوض (ديسمبر 1952) وتمكن الحزب من فتح مكاتب له بعدد من الأقطار للتعريف بالقضية التونسية (العراق, الهند , باكستان) 

انتزاع الاستقلال:

تشكلت حكومة الطاهر بن عمار التفاوضية في أوت 1954 بمشاركة 4 ممثلين من الحزب الجديد وقد ساهمت عدة ظروف في عودة فرنسا إلى طاولة التفاوض أهمها:

- تزامن تصعيد النضال التونسي مع اندلاع الكفاح المسلح في كل من الهند الصينية والمغرب والجزائر ضد الاستعمار الفرنسي.

- تعمق انقسام الرأي العام الفرنسي حول المسألة الاستعمارية خاصة بعد هزيمة "ديان بيان فو" بالفيتنام في ماي 1954.

- وصول الاشتراكيين إلى السلطة في جوان 1954 بقيادة مانداس فرانس الذي أعلن استعداد حكومته لمنح تونس استقلالها الداخلي.

- توجت المفاوضات بإمضاء اتفاقية الحكم الذاتي في 3 جوان 1955 لكن صالح بن يوسف رفض هذه الاتفاقية (خطوة للوراء) وأيده أعضاء الحزب القديم والاتحاد العام للفلاحة بينما رحب بها بورقيبة واعتبرها خطوة هامة ضمن إستراتيجية المراحل التي خطط لها الحزب وأيده في ذلك أغلب أعضاء الحزب الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة.

تم حسم الخلاف في مؤتمر صفاقس (15 نوفمبر 1955 ) لفائدة بورقيبة وقرر المؤتمر رفت صالح بن يوسف من الحزب الجديد.

استغل الوطنيون عودة الاشتراكيين للحكم في جانفي 1956 لاستئناف الحوار وتوجت المفاوضات بإعلان الاستقلال التام في 20 مارس 1956.

خاتمة:

استغلت الحركة الوطنية الظرفية العالمية والداخلية المواتية بعد الحرب العالمية الثانية لتصعيد النضال وتنويعه وتبني سياسة ساعدت على التدرج نحو الاستقلال بفضل تضحيات كل فئات الشعب التونسي وقياداته. فماهي الإجراءات التي تم اتخاذها لبناء تونس المستقلة؟